المراجعات - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٤٣٩
وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف»[١] .
وقال سلمة الجعفي[٢] : «يا نبي الله أرايت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم»[٣] . وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث حذيف اليمان[٤] رضي الله عنه: «يكون بعدي ائمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع»[٥] ومثله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في حديث أم سلمة: «ستكون أمراء عليكم، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برىء، ومن أنكر سلم[٦] ، قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا» اهـ.[٧] . والصحاح في ذلك متواترة، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة؛
[١] راجع: صحيح مسلم كتاب الامارة باب وجوب طاعة الأمراء: ٦/١٤ ط المكتبة التجارية و: ٢/١٣٠ ط عيسى الحلبي و: ١٢/٢٢٥ ط مصر بشرح النووي.
[٢] فيما أخرجه عنه مسلم وغيره (منه قدس).
[٣] يوجد في: صحيح مسلم: ٢/١٣٤ ط عيسى الحلبي و: ٦/١٩ ط المكتبة التجارية وط شركة الاعلانات و: ٦/١٩ ط محمد علي صبيح و: ١٢/٢٣٦ ط مصر بشرح النووي.
[٤] الذي أخرجه مسلم في ص١٢٠ من الجزء الثاني من صحيحه، ورواه سائر أصحاب السنن (منه قدس).
[٥] راجع: صحيح مسلم كتاب الامارة: ٢/٣٥ ط عيسى الحلبي و: ٦/٢٠ ط محمد علي صبيح وط شركة الاعلانات والمكتبة التجارية و: ١٢/٢٣٨ ط مصر بشرح النووي.
[٦] هذا الحديث: أخرجه مسلم في ص١٢٢ من الجزء الثاني من صحيحه، والمراد بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): فمن عرف برئ، أن من عرف المنكر ولم يشتبه عليه، فقد صار له طريق الى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيده. أو بلسانه، فان عجز فليكرهه بقلبه (منه قدس).
[٧] يوجد في: صحيح مسلم كتاب الامارة باب وجوب الانكار: ٢/١٣٧ ط عيسى الحلبي و: ٢/٢٢ ط شركة الاعلانات والمكتبة التجارية وط محمد علي صبيح و: ١٢/٢٤٢ ط مصر بشرح النووي.
الخلافة والعدالة:
هذا الحديث والأحاديث الأربعة التي قبله لا يمكن قبولها ويشك في صحتها كبقية الأحاديث المدعاة على هذا الطراز ومن هذا المعنى كما في سنن البيهقي: ٨/١٥٩. فان هذه الأحاديث مخالفة لروح الدين الاسلامي وللعدالة الاسلامية التي اشترطت في الخليفة بالاجماع قال القاضي عبدالرحمن الايجي الشافعي المتوفي ٧٥٦ هـ في كتابه المواقف في شرائط الامام «يجب أن يكون عدلاً لئلا يجور» وقال أبو الثناء في مطالع الأنظار ص٤٧٠ في صفات الأئمة «الرابعة: أن يكون عدلاً لأنه متصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم فلو لم يكن عدلاً لا يؤمن تعديه…» الخ. وراجع تفسير القرطبي: ١/٢٣١ و٢٣٢.
الحديث للسياسة:
بعد رحلة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الرفيق الأعلى قام المنافقون وخدام السلاطين ووعاظهم بوضع الحديث لصالحهم، كما وقع في عهد الخليفة الثالث وبعدها تطور الوضع وكثر في عهد معاوية بن أبي سفيان فصار طلاب الدنيا يضعون عشرات الأحاديث في فضائله وفضائل بني أمية ويضعون الذم لأعدائه. راجع الغدير: ٩/٢٦٤ ـ ٣٩٦ وج١٠ و١١، أضواء على السنة المحمدية: ١٢٦ ـ ١٣٤. وقال أبو جعفر الاسكافي فيما نقله عنه ابن أبي الحديد ان معاوية حمل قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله فاختلفوا له ما أرضاه (قال) منهم: أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير.
وفي دولة بني العباس لم يكن وضع الحديث أقل من الدور الذي كان في عهد الدولة الأموية فقد وضع الوضاعون الحديث في فضائل بني العباس واخبار النبي بدولتهم راجع: أضواء على السنة المحمدية: ١٣٥.
وهذه الأحاديث الخمسة وما شاكلها في الحقيقة قد وضعتها يد السياسة ومصلحة الملوك والأمراء وتدعو الى تأييدهم ودعمهم أو على الأقل الى الغض عنهم مهما صدر منهم من جرائم وانحراف عن الاسلام الحقيقي ما داموا يقيمون الصلاة الشكلية أو حتى لو لم يقيموها وهذا ما لا يقره الاسلام ولا يرضى به، وبنشر هذه الروايات «تمكن معاوية بن أبي سفيان من أن يجلس بالكوفة للبيعة ويبايعه الناس على البراءة من علي بن أبي طالب» البيان والتبيين للجاحظ: ٢/٨٥.
وتمكن يزيد الفجور والكفر أن يكون أميراً على المسلمين وخليفة لهم كما تمكن بنو أمية وبنو العباس من اقامة دولتيهما وادعاء الخلافة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجر ذلك على الامة الويلات والمصائب.
ولنأخذ مثلاً على ذلك في لمحة خاطفة الى شخصية قد عاشت في صدر الاسلام وصحبت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حقبة من الزمن وكيف أنها تلونت بمختلف الأحوال، ألا ذلك هو الراوي المشهور عبدالله بن عمر.
عبدالله بن عمر والبيعة:
ابن عمر من الأشخاص الذين تخلفوا عن بيعة الامام أمير المؤمنين محتجاً بعدم الاجماع على بيعته كما زعمه له ابن حجر في فتح الباري: ٥/١٩ و: ١٣/١٦٥. ولكن الصحيح أن السبب في عدم بيعته لأمير المؤمنين هو نفس السبب الذي كان عند والده وما يحمله أبوه من نفسية تجاه الامام عليه (عليه السلام). والا فهل حصل اجماع على بيعة أبي بكر؟ ألم يتخلف عنها بنو هاشم وعلى رأسهم الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) وجملة من الصحابة كعمار وأبي ذر والمقداد وسعد بن عبادة وغيرهم؟ ثم كسروا سيف الزبير لتخلفه، ولببوا الامام علياً (عليه السلام) بحمائل سيفه وأكرهوه على البيعة والا يقتل، وهل حصل اجماع على البيعة لأبيه عمر؟ فيا عجباً بين هو يستقيلها في حياته اذ عقدها لآخر بعد وفاته.
ابن عمر يبايع ليزيد:
وبينما ابن عمر يتقاعس عن البيعة لامام الحق يقوم بعد فترة من الزمن بالبيعة لأخس خلق الله على وجه الأرض وهو يزيد بن معاوية يزيد الخمور والفجور والكفر والالحاد فبايعه إزاء مائة ألف قدمها اليه معاوية في حال حياته. ولما انتشر الحاده للمجتمع وما فعل من أعمال منكرة وفي مقدمتها قتل سيد شباب أهل الجنة سبط الرسول وقرة عين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). وقام أهل المدينة بخلع بيعة يزيد وقف ابن عمر في قبالهم وصار يصف لهم الأحاديث لأجل دعم جرائم يزيد وأفعاله بهذه الأحاديث:
روى البخاري وغيره عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه ومواليه، وفي رواية سليمان: حشمه وولده وقال: اني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة» وزاد الزهري: وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، واني لا أعلم غدراً أعظم من أن تبايع رجلاً على بيعة الله ورسوله ثم تنصب له القتال، واني لا أعلم أحداً منكم خلع ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه» صحيح البخاري: ١/١٦٦، سنن البيهقي: ٨/١٥٩، مسند أحمد: ٢/٩٦.
وقعة الحرة وابن عمر:
غار يزيد على المدينة المنورة وأباحها ثلاثة أيام حتى افتضت أكثر من ألف بنت باكر وولدت أكثر من ألف امرأة من غير زوج، وقتل أكثر من سبعمائة من حملة القرآن من الصحابة والتابعين من المهاجرين والأنصار، وأكثر من عشرة آلاف من سائر الناس وفيهم النساء والصبيان. في هذه الواقعة مع هذا يأتي ابن عمر ليحدث بحديث ليدعم موقف يزيد ويبرر جرائمه. فقد روى مسلم: ٦/٢٢ عن نافع قال: جاء عبدالله بن عمر الى عبدالله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لابي عبدالرحمن وسادة فقال: اني لم آتك لاجلس أتيتك لأحدثك حديثاً، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له؛ ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».
وبناء على ذلك فقد بايع سفاك الدماء في العراق الحجاج ببيعة هي الذل والهوان حيث مد ابن عمر يده ليبايع الحجاج رجله وبايعه بها. وهكذا في عصرنا الحاضر اتخذ سلاطين وشياطين الجور والفجور هذه الروايات مدركاً لتسلطهم على الشعوب الاسلامية وسفك دمائهم وبيع ثرواتهم الى الاستكبار العالمي، وصاروا أداة قمع للكافر الاجنبي مثل الأنكليز والامريكان والشيوعية ومن يدور في فلكهم.
والعلاج أن تعي الشعوب اسلامها وتعرف مسؤوليتها وذلتها وعزتها لتقوم بواجبها وتثأر لكرامتها واسلامها وتقيم حكم الله في الأرض ليعم العدل الاجتماعي والسعادة الأبدية.