المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٧٠ - مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
مع البناء الخارجي ، ولا يمكن افتراض انفكاك البناء الداخلي عن البناء الخارجي إلاّ إذا بقي البناء الخارجي مهزوزاً متداعياً . ولذلك سمّى الإسلام عملية بناء المحتوى الداخلي ، إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً الجهاد الأكبر ، وسمّى عملية البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاها صالحاً الجهاد الأصغر , واعتبر أنّ الجهاد الأصغر يفقد محتواه ومضمونه إذا انفصل عن الجهاد الأكبر ، بل ويفقد قدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية .
والقرآن الكريم يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي ؛ حيث يقول سبحانه وتعالى :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) [١] .
أي إنّ الإنسان لا يمكنه أن يطرح الكلمات الصالحة التي يمكن أن تتحوّل إلى بناء صالح في المجتمع إذا لم يبنِ نفسه بناءاً صالحاً ، وإذا لم تنبعث هذه الكلمات عن قلب يعمر بالقيم التي تدل عليها تلك الكلمات ؛ إذ ستبقى الكلمات مجرّد ألفاظ جوفاء ، دون أن يكون لها مضمون ومحتوى . فمسألة القلب هي التي تعطي للكلمات معناها , وللشعارات أبعادها ، ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارَها .
نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للإنسان
عرفنا أنّ الأساس في حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للإنسان ، والآن نتساءل : ما هو الأساس في هذا المحتوى الداخلي نفسه ، وما
[١] البقرة : ٢٠٤ ـ ٢٠٥ .