المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٨ - المجتمعات في المستقبل
وهذه النظرية خاطئة من جهات :
١ ـ إنّها تبتني على نظريتين خاطئتين : أحدهما حول الإنسان ، والأُخرى حول أُصول الثقافة الإنسانية ، أي الفلسفة والعلم والفن والأخلاق وغيرها .
أمّا الأُولى فقد افترض فيها أنّ الإنسان لا يملك في ذاته ـ حتى بالقوّة والاستعداد ـ ما يهديه في نظرته إلى العالم وإدراكه من الناحية الفكرية ، وفي إرادته وتشخيص الطريق التي يسلكها ، والهدف الذي يبتغيه من الناحية العاطفية . فنسبة الإنسان إلى جميع الأفكار والعواطف والطرق والأهداف سواء . وهو إناء فارغ من المحتوى , فاقد للشكل واللون ، وتابع في جميع ذلك لمظروفه ، ويكسب منه شخصيته وذاتيته وطريقه وهدفه . فالشكل والصبغة ، والطريق والهدف ، والشخصية التي يكتسبها من أول مظروف له ، هي : شكله وصبغته ، وطريقه وهدفه ، وشخصيته الواقعية ؛ لأنّ ذاته تتقوّم بهذا المظروف . وكلّما يمنح بعد ذلك في سبيل تغيير شخصيته ولونه وشكله يعتبر أجنبياً بالنسبة إليه ؛ لأنّه يعارض شخصيته الأُولى التي اكتسبها على سبيل الصدفة .
وبعبارة أُخرى : هذه النظرية ملهمة من النظرية الرابعة في أصالة الفرد والمجتمع ، وهي التي تقول بأصالة المجتمع محضاً . وقد مر نقدها .
وهذه النظرية حول الإنسان غير صحيحة ، لا من وجهة النظر الفلسفية ، ولا من وجهة النظر السلامية ، فالإنسان بمقتضى خصوصيته الذاتية له شخصية معيّنة ، وطريق وهدف معين ـ ولو بالقوّة والاستعداد ـ وهو قائم بالفطرة الإلهيّة ، وهي التي تبلور ذاته الواقعية .