المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٤٦ - التقسيمات والطبقات الاجتماعية
فالاستكبار والاستضعاف ليسا أساس الانقسام إلى الطوائف المختلفة والمتناقضة فحسب ، بل هما أيضاً أساس الصفات والملكات الخلقية المتضادّة ، وهما الأساس في جميع الاتجاهات والعقائد والمسالك ، بل جميع الآثار الثقافية والحضارية . فكل من الأخلاق والفلسفة والفن والأدب والدين ، إذا كان ناشئاً من الطبقة المستكبرة كان حاكياً عن اتجاهها الاجتماعي وممثّلاً له ؛ ولذلك نراها كلها بصدد توجيه الوضع الموجود وعاملاً للتوقّف والركود والجمود ، خلافاً للأخلاق أو الفلسفة أو الآداب أو الفن أو الدين المنبعث من الطبقة المستضعفة ؛ حيث يكون موجّهاً ومبعثاً للحركة والثورة . فالطبقة المستكبرة حيث إنّها تستضعف الآخرين ، وتستولي على حقوقهم الاجتماعية ، تكون بالطبع متأخّرة الفكر رجعيّة طالبةً للعافية والسلم ، خلافاً للطبقة المستضعفة حيث تكون بصيرةً مطّلعة ، مخالفة للتقاليد ، ثوريةً تقدميةً متحرّكةً .
والخلاصة : أنّ أصحاب هذه الدعوى يعتقدون أنّ القرآن يؤيّد النظرية القائلة ، بأنّ كل ما يصنع شخصية الإنسان ، ويشخّص الطائفة التي ينتمي إليها ، والجهة التي يسير نحوها ، ويعيّن قاعدته الفكرية والخلقية والدينية والعقائدية هو وضعه الاقتصادي . وعلى هذا الأساس بنى القرآن تعاليمه القيّمة حسبما يستفاد من مجموع الآيات .
ومن هنا فإنّ المقياس لمعرفة صدق الدعاوى وكذبها ، من قبيل دعوى الإيمان والإصلاح والقيادة ، وحتى النبوّة والإمامة ، هو الانتماء إلى الطبقة الخاصة ، فهو ملاك كل شيء .
هذه النظرية ـ في الواقع ـ تبتني على التفسير المادي المحض للإنسان والمجتمع . وممّا لا شك فيه أنّ القرآن يهتم كثيراً بالقاعدة الاجتماعية