المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٣٦ - ثلاث حقائق قرآنية عن سنن التاريخ
القرآن يقرّر أولاً وجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية ، إلا أنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى ، وحسن تقديره وبنائه التكويني للساحة التاريخية .
الفرق بين الاتجاهين يمكن توضيحه بالمثال التالي : قد يفسّر إنسان ظاهرة المطر الطبيعية بأنّ المطر نزل بإرادة من الله سبحانه وتعالى ، ويجعل هذه الإرادة بديلاً عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر ، وكأنّ نزول المطر حادثة لا علاقة لها بالأسباب الطبيعية وغير منسوبة لها ، وإنّما هي مفردة ترتبط مباشرة بالله سبحانه وتعالى بمعزل عن تيّار الحوادث . هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر .
أمّا إذا قال شخص إنّ ظاهرة المطر لها أسبابها وعلاقاتها وإنّها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء ، أي إنّ الماء يتبخّر فيتحول إلى غاز ، والغاز يتصاعد سحاباً ، والسحاب يتحوّل بالتدريج إلى سائل نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر . وقال إنّ التسلسل السببي المتقن ، وهذه العلاقات المتشابكة بين الظواهر الطبيعية هي تعبير عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته . مثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي للتفسير الموضوعي لظاهرة المطر ؛ لأنّ هذا الشخص ربط سنة الحادثة بالله سبحانه وتعالى ، مع عدم عزلها عن بقيّة الحوادث وعدم قطع ارتباطها بمؤثّراتها وأسبابها .
القرآن الكريم حين يسبغ الطابع الرباني على السنّة التاريخية لا يريد إذن ، أن يتجه اتجاه التفسير الإلهي في التاريخ ، ولكنّه يريد التأكيد أنّ هذه السنن ليست خارجة من وراء قدرة الله تعالى ، وإنّما هي تعبير