المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٠٨ - ب ـ الدليل السيكولوجي
أفكاره والإعلان عنها ، وليست هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكّراً . وعلى هذا الأساس نستطيع أن نعرف لماذا ظهرت اللغة في حياة الإنسان دون غيره من أنواع الحيوان ، كما ألمحنا سابقاً ؟ بل أن نعرف أكثر من ذلك : لماذا وجد المجتمع الإنساني ولم يوجد مجتمع كهذا لأيِّ كائن حي آخر ؟ فإنّ الإنسان لمّا كان قادراً على التفكير فقد أتيح له وحده أن يتخطّى حدود الإحساس فيغيّر من الواقع الذي يحسّه ، وبالتالي يغيّر من إحساساته نفسها تبعاً لتغيير الواقع المحسوس ، ولم يُتح هذا لأيِّ حيوان آخر لا يملك قدرة على التفكير ؛ لأنه لا يستطيع أن يدرك ويفكّر في شيء سوى الواقع المحسوس بأشكاله الخاصة ، فلا يمكنه أن يغيّر الواقع إلى شيء آخر .
وهكذا كان التفكير هو الذي خصّ الإنسان بالقدرة على تغيير الواقع المحسوس تغييراً حاسماً .
ولمّا كانت عملية تغيير الواقع هذه تتطلّب في كثير من الأحايين جهوداً متنوّعة وكثيرة ، فهي تتّخذ لأجل ذلك طابعاً اجتماعياً إذ يقوم بها أفراد متعدّدون وفقاً لنوعية العملية ومدى الجهود التي تتّطلبها ، وبذلك توجد علاقة اجتماعية بينهم لم يكن من الممكن أن توجد علاقة من لونها بين أفراد نوع آخر من الحيوان ؛ لأنّ الحيوانات الأُخرى حيث إنّها ليست كائنات مفكّرة فهي عاجزة عن القيام بعمليات تغيير حاسم للواقع المحسوس ، بالتالي لا توجد فيما بينها علاقة اجتماعية من ذلك اللون .
ومنذ يدخل الناس في عمليات مشتركة لتغيير الواقع المحسوس يصبحون بحاجة إلى لغة ؛ لأنّ الإشارات الحسّية إنّما تعبّر عن الواقع