المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٩٢ - المقاييس
وأمّا الإسلام فيدين جميع النظريات السابقة . فالخلق الكريم لا ينحصر ـ كما تدّعيه المسيحية ـ في العلاقات السلمية والدعوة باللطف والصلح والإخلاص والحب ونحو ذلك ، بل قد يكون استخدام القوة من الخلق الكريم أيضاً ؛ ولذلك فإنّ الإسلام يعتبر النضال ضد الظلم والاعتداء نضالاً مقدساً ، ويعتبره مسؤولية وتكليفاً ، ويجوز الجهاد وهو عبارة عن الكفاح المسلح في أوضاع خاصة .
وأمّا نظرية ( نيتشه ) فمن البديهي أنّها تافهة ، ولا إنسانية ، ومخالفة للتكامل .
وأمّا النظرية الماركسية فتبتني على رأيها في ميكانيكية حركة التاريخ . والإسلام يرى أنّ استخدام القوة ضد الطبقة المعارضة للتكامل ـ خلافاً للنظرية الماركسية ـ في مرحلة متأخّرة . وقبل ذلك لا بد من استعمال الحكمة والموعظة الحسنة ، قال تعالى : ( ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) . فاستخدام القوة إنّما توافق عليه الأُصول الأخلاقية إذا تجاوزنا مرحلة الإقناع الفكري بالحكمة ( البرهان ) ، ومرحلة الإقناع النفسي بالموعظة ( التذكير ) ، ولم تحصل النتيجة المطلوبة منهما .
ومن هنا فإنّ الأنبياء الذين قاموا بالجهاد المسلح اجتازوا المرحلة الأُولى من رسالتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وربّما بالجدال والبحث أيضاً . وحيث لم يحققوا بذلك هدفهم أو لم يحققوه تماماً ، بل كانوا يصلون غالباً إلى هدف نسبي ؛ جوّزوا آنذاك النضال والجهاد ، واستخدام القوة . والأساس في ذلك أنّ الإسلام يفكر تفكيراً معنوياً لا مادياً ، فهو يرى للبرهان والدليل والوعظ والنصيحة قوة هائلة . وبعتبير ( ماركس ) يرى في سلاح النقد قوة ، كما في النقد بالسلاح ، فيستفيد من