المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٠١ - أُصول النظرية المادية التاريخية
الفكر ، ولا يمكن الحكم بصحّة تفكير أو سقمه إلاّ بالعمل والتجربة ، دون المقاييس الفكرية والمنطقية كذلك مقياس التطوّر المعنوي هو التطوّر المادي . فإذا سئل : أي المدارس الفلسفية أو الخلقية أو الدينية أو الفنية أرقى ؟ لم تمكن الإجابة عليه بالمقاييس الفكرية والمنطقية ، بل المقياس الوحيد هنا هو البحث عن أنّ هذه المدرسة وليدة أي وضع اجتماعي ، وفي أي مرحلة من تطوّر العمل الاجتماعي ، أي وسائل الإنتاج .
وهذا النوع من التفكير وإن كان عجيباً في نظرنا ، حيث إنّنا نعتقد أنّ واقع الإنسان هو نفسه ، وذاته وهي جوهر غير مادي ، وإنّما تحدث نتيجة الحركات الجوهرية في الطبيعة ، وليس منتوجاً للمجتمع ، إلاّ أنّ رجلاً كماركس الذي لا يفكّر إلاّ في إطار مادي محض ، ولا يعتقد بوجود جوهر غير مادي ، لا بد له من تفسير الجوهر الإنساني وواقعيته تفسيراً بيولوجياً ، ولابد من أن يقول : إنّ جوهره ليس إلاّ تركيبه الجسماني المادي . كما يقوله الماديون القدامى ، كالماديين في القرن الثامن عشر . ولكنّ ماركس يرفض هذه النظرية ، ويدعي بأنّ جوهر الإنسانية يتشكّل في المجتمع ، لا في الطبيعة . والذي يتشكّل في الطبيعة هو الإنسان بالقوّة ، لا الإنسان بالفعل ، وبعد ذلك لا بد لماركس من اختيار أحد الوجهين :
١ ـ إنّ الفكر جوهر الإنسانية ، والعمل والجهد البشري مظهر الفكر .
٢ ـ إنّ العمل جوهر الإنسانية ، والفكر مظهره . وحيث إنّ ماركس لا يفكر إلاّ في الإطار المادي ، ولا يكتفي بالقول بأصالة المادة وإنكار ما وراءها في الفرد ، بل يقول بأصالتها في التاريخ والمجتمع أيضاً ، فلابد له من اختيار الشق الثاني من الترديد .