العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٩١ - الفصل الثالث في ذكر بعض فوائد هذه السورة على سبيل الاختصار و الإيجاز
قلنا: هذا ممّا دلّ اللّه سبحانه على أنّ أسباب الآخرة أفضل من أسباب الدّنيا و أعلى، و إنّما سمّيت بالأسماء الّتي يعرفها أهل الدنيا ليعلموا ما معنى ما أشير بهم إليه.
ثمّ اعلموا؟ أنّه و إن كان بهذا المعنى فليس بالوصف الّذي شاهدوه بل فيه زيادة فضائل و محاسن لا تكون في الدنيا، إذ ليس فيها قوارير من فضّة [و] إنّما يعرف فيها القوارير بمعنى و الفضّة بمعنى فأراهم/ ١٠٤/ أنّها فضة يرى ما فيها كما يرى ما في القوارير من صفاتها و اثار القدرة فيها.
و عن عكرمة عن ابن عبّاس [في قوله تعالى:] كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قال: لو أنّك أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتّى تكون مثل جناح الذباب ما رأيت الماء من ورائها و لكن فضّة الجنّة في بياض الفضّة و صفاء القوارير.
و روي أنّه قال: قوارير كلّ أرض من تربتها و قوارير الجنّة من أرض الجنّة، و أرض الجنّة فضة. و قد روي هذا المعنى عن الجميع.
فإن قيل: كيف صرفت القوارير الاولى و لم تصرف الثانية؟
قلنا: قَوارِيرَ لا ينصرف لأنّ تقديرها فواعيل فمن صرفها هاهنا و ألحق الألف الّتي هي صورة التنوين في النصب فعلى اتّباعها رءوس الآيات قبلها و بعدها لأنّها بألف يائية كما فعلوا ذلك في قوله: وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا و قوله:
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا و قوله: وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا.
و قد قيل: إنّ انتصابها على أنّها نكرة، و النكرة عندهم أخفّ من المعرفة.
و أمّا قوله: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ فإنّها غير مصروفة لخلائها من هذه العلل الّتي ذكرناها، و من صرفها فعلى أنّها نكرة. و ليست بقويّة لأنّ النكرة إذا تكرّر ذكرها صارت معرفة كما يقال في الكلام «مررت برجل» فيقال: من الرجل، قال عزّ و جلّ: فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ/ ١٠٥/ فِي زُجاجَةٍ ثمّ قال: الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ [٣٥/ النور: ٢٤] فجعل النكرة معرفة بتكرّر ذكرها، فقوله: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ بحالها و تقديرها في الفعل ممتنعة من الصرف.
فإن قيل: ما معنى قوله قَدَّرُوها تَقْدِيراً؟
قلنا: المعنيّ به الملائكة أنّهم يقدّرون الأشربة في الانية فيجعلونها بقدر ريّ