العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٩٦ - الفصل الثالث في ذكر بعض فوائد هذه السورة على سبيل الاختصار و الإيجاز
قلنا: إنّ الذهب إنّما له فضل القيمة في الدنيا، و الفضّة لبياضها أحسن منه سيّما فضّة الجنّة الّتي قد وصفت بما وصفت من الفضل و الصفاء و الحسن، و البياض أحسن الألوان في أكثر الأشياء.
و قال الكلبي: هذه ثياب المخدومين و حليّهم.
و قال الشيخ أبو سهل الأنماري (رحمه الله): إن جعلت هذه الصفة للخدم الّذين يخدمونهم في الجنّة دون المخدومين كان أصوب، لأنّ اللّه تعالى جعل صفة المخدومين في سورة الحجّ على غير هذه الصفّة، فقال: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [٢٣/ الحج: ٢٢].
و قد قلنا في كتاب المباني: يحتمل أنّ اللّه سبحانه ذكر في هذه السورة الفضّة لأنه ذكر قبلها السندس الخضر و الإستبرق، فذكر بعدها حليّ الفضّة لأن/ ١١١/ بياض الفضّة مع خضرة السندس أحسن، و ذكر في سورة الحجّ الذهب لأنّه ذكر معها الحرير، و صفرة الذهب مع الحرير أزين.
و يحتمل أيضا أنّه ذكر الفضّة في هذه السورة لأنّه ذكر قبلها أواني الفضّة بقوله:
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ و وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ فذكر أساور من فضّة لتكون الأبواب موافقة، على ما جرت من عادات الملوك إذا اتّخذوا مجلسا من بياض جعلوا ما يتعلّق به من ذلك الجنس أيضا، و كذلك في الملبس، ثمّ إذا اتّخذوا السواد جعلوا سائر أخواته على ما يوافقه، فذكر الفضّة عقيب ذكر الفضّة أحسن و أوفق.
و يصلح أن يكون تخصيص الفضّة في هذه السورة إشارة مرموزة إلى الجارية الّتي كانت للمرتضى (رضوان اللّه عليهم) المسمّاة «فضّة» على ما ذكرناه في الفضّة و الرموز تدخل في كلام الحكماء لنوع من الاستظراف و الحسن في الإيماء.
فهذه أربعة أوجه ذكرناها من غير حكم على واحد منها، و اللّه أعلم بالصواب.
فإن قيل: كيف قال: وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً و هل فيه شيء يدلّ على التشبيه؟
قلنا: ليس فيه شيء من معنى التشبيه، لأنّ العرب تجعل «سقى» و «أسقى»