العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ١٠٦ - الفصل الرّابع في ذكر نظم هذه السورة و تلفيق آياتها و خصائصها
مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً و ذلك لأنّا نعلم جلال اللّه و عظمته ما لا تعلمون فنخافه و لا نسكن إلى ما تقولون، فنخافه و نرجوه و نتضرّع إليه و ندعوه، فهنالك ابتلي السرائر و يكشف الضمائر.
و إنّما قال: يَوْماً عَبُوساً لأنّ من يشاهده كلح وجهه لشدّته و صعوبته و الصدقة جنّة من البلاء.
فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ أي فصانهم اللّه بما أضمروا و أخلصوا و لم يعجبوا بفعلهم و صبروا، وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً لأنّهم لقوا السائلين بشرا و حبورا وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا على الجوع و المرارة و آثروا السائلين على أنفسهم جَنَّةً وَ حَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ [أي] على السرر المحجّلة لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً لأنّ الصدقة ظلّهم وَ لا زَمْهَرِيراً لأنّ الوفاء بالطاعة يحلّهم، جزاء لإيثارهم السائل على أنفسهم، وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها [أي] ظلال الشجرة قريبة عليهم وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا فابتدأ اللّه/ ١٢٥/ سبحانه بذكر الكأس و الشرب جريا على عاداتهم في التمتّع و التلذّذ، من العجم و العرب.
ثمّ ذكر العين لأنّها كانت عزيزة فيهم لكثرة القلب و الآبار، و قلّة وجود العيون و الأنهار، فإذا ذكر الكأس و الشراب، يذكر بعد ذكرها المجلس و المسرّة فقال:
وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا.
ثمّ ذكر اللباس و الثياب فقال بعد ذكر الجنّة: وَ حَرِيراً لأنّهم كانوا أرباب الأصواف و الأشعار و الأوبار.
ثمّ ذكر الاتّكاء و هو من أفعال ملوكهم فقال: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لأنّهم كانوا أرباب الأسفار و الأهجاع، و ذكر الأرائك لأنّ الحجلة لم تكن من عادتهم و قد كانوا يرونها لملوكهم إذا وفدوا عليهم.
ثمّ قال: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً لأنّهم كانوا أرباب الفيافي و الصحاري، لا أرباب القصور و المدن.
ثمّ قال: وَ [لا] زَمْهَرِيراً على المقابلة و المجازاة و إن كانوا بين الحرارة و السموم لأنّهم كانوا يفدون على الملوك في الديار الباردة من أرض العجم و الروم