العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ١٠٤ - الفصل الرّابع في ذكر نظم هذه السورة و تلفيق آياتها و خصائصها
مذكورا، لمّا ركّب اللّه سبحانه فيه من الاستحقاقات الذاتيّة، فكذلك لم يكن يدرى بالمرتضى (رضوان اللّه عليه) تأخّره [عن منصبه بصنيع الظالمين] إلى وقت قيامه بالأمر، لما [كان اللّه] ركّب فيه من الخصال السنيّة و الأخلاق الرضيّة، و لذلك ابتدأ اللّه سبحانه هذه السورة بذكر آدم (عليه السّلام) قبل ذكره و ذكر أولاده و ذكر الإيفاء و ذكر الإطعام و الصبر و الخوف من يوم القيام، ثم قال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ فذكر أولاد آدم (عليه السّلام) بعد ذكر أبيهم و وصف خلقهم و خلق بني بنيهم و بيّن أخلاقهم في طبائعهم و صنائعهم و أحوالهم فلا يكون الأولاد على نسق واحد أصلا بل يختلفون قولا و فعلا.
و كذلك لا يكون أولاد المرتضى (رضوان اللّه عليهم) كلّهم على سنن الصدق و الصفاء، ثمّ لا يسقطهم ذلك عن شرف الأمّهات و الآباء كبني آدم (عليه السّلام) و أبيهم فإن الاختلاف من عناصرهم و مبانيهم و لذلك قال: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [١١٣/ الصافات: ٣٧].
ثمّ قال: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً أي أنّ الّذي جعل من النطفة نسما ذا روح يسمع و يبصر، كيف لا يقدر على أن يعيد الميّت حيّا يبعث و ينشر.
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي بيّنا له طريق الاستدلال على قدرة الصانع بأنّ/ ١٢١/ آتيناه السمع و البصر، لأنّ الدلائل على وجهين: منها ما يتعلّق على حاسّة السمع، و منها ما يتعلّق بحاسّة البصر، فجمعنا لهم من وجوه ما يمكنهم الاستدلال، فلا يبقى لهم بعده المقال، فيبتليهم كيف يصنعون بالسبيل؟ و الاستدلال بالذكر، فيبتليه بحاسّة السمع ما ذا يفعل بها، إذا أبصر الدلائل و الآيات، فإن استدلّ بها على وجود الصانع و وحدته، و على إثبات علمه و قدرته، فاز بالجنّة و نعيمها، و إن أعرض عنه استعلاء بالشهوات و اللذات بقي في النّار و أليمها ...
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَ أَغْلالًا وَ سَعِيراً يعني الّذين أبوا عن السجود لادم (عليه السّلام) فاستكبروا فاستوجبوا اللعن و العقوبة بما أصرّوا فإنّهم ظلموا اللّه سبحانه و جهلوه تعالى حين قدّم الرديّ و أخّر السنيّ العليّ/ ١٢٢/ و لذلك قال إبليس اللعين: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ.