التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٤ - ٢ - الضراعة جوهر الدعاء
الضراعة- إذا- العودة إلى حقيقة الذات بلا حجاب ومن الصعب ان يبلغ الإنسان هذا المستوى الرفيع الا عند نزول كارثة عظمى عليه، حيث تتساقط عن بصيرته، حجب الاوهام، ويواجه الحقيقة بصراحة بالغة.
٢- ومن هنا كانت حكمة البأساء والضراء هي توفير شرط الضراعة للأمم، بعد ان يبعث الله اليهم الرسل، فقال الله سبحانه:
(قل أرأيتكم ان أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ان كنتم صادقين، بل اياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه وتنسون ما تشركون، ولقد ارسلنا إلى امم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزيهن لهم الشيطان ما كانوا يعملون) [١].
افلا ترى: كيف كان عذاب الله سببا في تساقط اوثان الشرك، والعودة إلى صفاء الوحدانية بإخلاص الدعاء لله سبحانه، لماذا؟ لان البشر يومئذ يواجه الحق بلا زيف ولا حجاب، كذلك عند البأساء والضراء يصل كثير من الناس إلى ذات الصفاء، فيتضرعون إلى الله ويعترفون بعجزهم وبقدرة الله، وكذلك بزيف ما كانوا يدعون من دونه. ولكن البعض يرين على قلبه اثر السيئات التي كان يرتكبها، فلا يتضرع فيأخذه الله بغتة فإذا هم مبلسون.
٣- وفي آيات متشابهة- في سورة الاعراف- يذكرنا بهذه الحقيقة، التي هي اقرب دليل فطري على التوحيد، وقد ذكر به الكتاب بكلمات متشابهة، يقول ربنا سبحانه:
(وما ارسلنا في قرية من نبي الا اخذنا اهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء، فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون) [٢].
ونستلهم من هذه الآية أن الضراعة حكمة الكوارث الطبيعية أو الحروب البشرية، والامة التي تستفيد منها هي التي ترجع إلى برنامج الرسالة التي تحدد منهاج الخلاص.
[١] - الانعام/ ٤٠- ٤٣.
[٢] - الاعراف/ ٩٤- ٩٥.