من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه
[١٥] صحيح أن الوالدين هما القناة التي تنتقل عبرها المكاسب المادية، والخبرات الحضارية للإنسان، ولكن لا يصح أن يستقبل الإنسان كل ما تحمله هذه القناة إليه من غث وسمين، لأنها كما تحمل إيجابيات الحضارة التاريخية أو القائمة، تنقل إليه أيضا السلبيات، لذلك يؤكد الرب وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا
إذن على الإنسان أن يكون ذكيا، يستفيد من المكاسب والمغانم الحضارية القادمة إليه عبر والديه من التاريخ أو المجتمع، ويترك السلبيات لأنهما على فطرتهما يغذيان الطفل بشتى الأفكار الواقعية والخرافية، الإيجابية والسلبية، دونما تمييز على الأغلب، وهما بذلك يحاولان فرضها على ولدهما، وهنا تقع على الفرد نفسه مسؤولية مقاومة الضغط ولكن بمعروف وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً.
يقول الرسول صلى الله عله واله
(مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ) [١].
فإذا ما قاوم الابن الأفكار الخاطئة استطاع النمو على الفطرة، لأنه بذلك يبعدها عما يدنسها من الأفكار الخاطئة، والتوجيهات السقيمة، وذلك لا يعني بالضرورة التعدي على الأبوين، فقد جاء في الحديث
(إِيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الوَالِدَيْنِ فَإِنَّ رِيحَ الجَنَّةِ تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَلَا يَجِدُهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا جَارُّ إِزَارِهِ خُيَلَاءَ إِنَّمَا الكِبْرِيَاءُ لله رَبِّ العَالَمِينَ) [٢].
وهنا تستوقفني مسألة وهي: إني لا أعلم من أين استخرج البعض أنه تجب طاعة الوالدين طاعة مطلقة أو واسعة تفقده الولاية على نفسه والمسؤولية عن خياراته وحياته، بينما تخالف النصوص الإسلامية صراحة ذلك، فهي تأمر بالشكر والإحسان لهما، أما الطاعة فهي لله، ولمن أمر الله بطاعته. وولاية الوالدين التي تشير لها بعض النصوص لا تكون إلا ضمن الحدود الشرعية وحيث تكون مصداقاً للبر والإحسان، وذلك أن الولاية متقومة بالإنفاق على الأولاد ورعايتهم صحيًّا ومعنويًّا، وهذه من تداعيات الولاية الطبيعية الفطرية، بيدأن الحكمة الأساس هو استهداف التنشئة على التوحيد.
من هنا نقرأ في كتاب مصباح الشريعة: أن الإمام الصادق عليه السلام قال
(بِرُّ الوَالِدَيْنِ مِنْ حُسْنِ مَعْرِفَةِ العَبْدِ بِالله إِذْ لَا عِبَادَةَ أَسْرَعُ بُلُوغاً بِصَاحِبِهَا إِلَى رِضَا الله مِنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ
[١] من لايحضره الفقيه: ج ٢، ص ٤٩.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٣٤٩.