من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧ - وله المثل الأعلى في السماوات والأرض
الحكمة التي نظم بها حياة البشر فوق هذا الكوكب اختلاف ألسنة الناس وألوانهم (حسب الحاجات المتباينة والتي تتكامل في وحدة منسقة) ليتعارفوا، ومن أهم النظم الحياتية التي أجراها الرب لحفظ البشر المنام بالليل والنشاط من أجل الرزق (فسكون الليل يمهد لحركة النهار، والله يبارك فيها للبشر)، ومن أعظم نعم الله على البشر التي حفظ بها حياته على البسيطة نعمة الماء الذي ينزله من السماء، فيحيي به الأرض .. أوليس كل ذلك آيات تهدينا إلى أسماء ربنا الحسنى وإلى قدرته ورحمته وحسن تدبيره؟ بلى؛ ولكننا بحاجة إلى التفكر والعلم والسماع والعقل حتى نهتدي بهذه الآيات إلى معرفة الرب وصفاته.
بينات من الآيات
[١٩] يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِ آية الحياة أعظم آية يتعرف عليها الإنسان، حيث إن الحياة تنبعث من الأشياء الميتة، وربما تشير الآية الكريمة إلى حقيقة مهمة يغفل عنها الإنسان عادة: فالحياة موجودة سواء في النطفة، أو في الحبة الصغيرة، ولكنها من مجموعة أشياء ميتة تنبعث وتتكامل، فالأرض ميتة، والأوكسجين ميت، والمواد الكيمائية ميتة، بل والغذاء من الأرض بالنسبة للنبتة أو من مجموع عدة أشياء بالنسبة للحي ميت أيضا.
كل هذه الأشياء الميتة تحيط بالنواة الحية داخل حبة الحنطة- مثلا- فتخرج منها نبتة كبيرة حية، فربنا سبحانه يخرج هذا الحي من الميت، والعكس صحيح، فعندما يموت الإنسان الحي هل تنتهي حياته؟ كلا .. بل تبقى، ولكن تنفصل الحياة عن الأجزاء الميتة التي كانت حية بحياته، وتبقى تلك النطفة الحية، ونستطيع أن نشبه تمدد الحياة في الأشياء الميتة والعكس بمصباح كهربائي تضيئه في غرفة حيث إننا نجد أن الأشياء في الغرفة قد أضيئت بالمصباح، ولا يعني أن الضوء قد انتهى لو وضعنا ذات المصباح في صندوق. إن الأشياء في الغرفة لما أضيء المصباح أصبحت إضاءتها غيرية، لا ذاتية، أي أن الأشياء لم تتحول إلى مادة النور ..، وهكذا تمدد الحياة في الجمادات.
والإنسان كان نطفة حية في أصلاب آبائه جمعت حولها الأجزاء الميتة بإرادة الله، حتى صار إنسانا سويا، فأخرجه الله من الميت، ثم يعود كما كان عندما يموت، فتبقى الحياة في القبر ولكن في حالة هجعة، ثم تنمو مرة أخرى في يوم القيامة، ويعود كما كان خلقا آخر، فيكون المعنى كالتالي: يخرج الله الحي من الأشياء الميتة، ويخرج الميت من الحي حين تتحلل الأشياء الميتة- أصلا- عن الحي، وتبقى نطفته الأساس.
وكما يحيي الله الأرض بالمطر، كذلك يحيي الإنسان في الآخرة فيقول سبحانه وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً [نوح: ١٧].