من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٩ - إنك لمن المرسلين
القرآن تجل لاسم العزة التي تعني فيما تعني المقدرة والهيمنة، كما لاسم الرحمة، لأن رحمة ربنا اقتضت إنقاذ البشر من براثن الضلالة والشرك.
تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ونستوحي من الآية أن القرآن سيهزم المبادئ الباطلة عاجلا أم آجلا، لأنه تنزيل العزيز الذي يؤيد بعزته رسالاته، ويعكس هذا استمرار انتشار نور الإسلام في الأرض بالرغم من كل العقبات التي يجعلها أمامه الطغاة.
[٦] أما هدف الرسالة فهو إنذار قوم غافلين، ما أتاهم من قبل الرسول من نذير لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ وقد فسر أغلب المفسرين هذه الآية بأن أولئك القوم لم ينذر آباؤهم من قبل، مما يخالف قوله سبحانه وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] وهناك تفسير آخر يجعل حرف مَا موصولة فيكون معناه تقريبا: (لتنذر قوما بما أنذر آباؤهم من العذاب). وسواءً أخذنا بهذا التفسير أو ذاك فإن من المعلوم أن قوم الرسول لم ينذروا منذ فترة طويلة، فهم لم ينذروا من قبله بهذا المعنى، ونجد هذا المعنى في آية أخرى وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ: ٤٤] ولكن هل يعني ذلك أنهم لم ينذروا أبدا؟ كلا.
[٧] ويذكر السياق بالتحديات التي يواجهها النبي- كسائر الرسل- في طريق الدعوة، فسوف لا يؤمن هؤلاء الناس، وسوف يقوم صراع مرير بينه وبينهم، ويستمر الصراع حتى يبتلى المؤمنون وحتى يأذن الله بالنصر المبين!.
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهكذا لا ينبغي الخضوع للتيار الاجتماعي إذ عدم إيمان الأكثرية ليس دليلا على نقص في حجج الرسالة بل في وعيهم.
وتعطينا الآية دفعة معنوية لنمضي قدما في حمل الدعوة دون أن نهين أمام رفض الأكثرية أو كفرهم بها.
[٨] ولكن لماذا لا يؤمن بها أكثرهم؟.
لأن تراكم المعاصي على قلوبهم، وعلاقاتهم الاجتماعية القائمة على الظلم والاستعباد، وتخلفهم و انشدادهم إلى عادات مجتمعهم وتقاليد آبائهم الضالين، كل أولئك تشكل أغلالا في أعناقهم إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا الشهوات غل، وعادات المجتمع أغلال، والتكبر والحسد والعصبيات أغلال.
فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ لعل معناه: أن الأغلال عريضة بحيث تأخذ بمجامع أعناقهم وتبلغ الأذقان، ونستوحي من ذلك أن عبوديتهم شاملة.