من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٠ - وله الحمد وهو الحكيم الخبير
الطرف الثاني، وهذه الكلمة توضح خطة الإعلام عند الكفار القائمة فقط على أساس إسكات الخصم، وطمس معالم الحق أمام عينيه.
أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ الرجز- كما قالوا- أشد العذاب، ولعله يشير إلى ما يقابل الكريم في الآية السابقة، وعلى هذا يكون معناه عذابا أليما فيه الذل والهوان، أوليسوا قد تكبروا، فهم يستحقون الصغار والرجز.
[٦] ومن الناس من يعرج به اليقين درجة يرى الحق واضحا لا ريب فيه، أولئك هم أولو العلم وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والعلم- هنا- ليس مجرد المعلومات التي يختزنها الذهن البشري، ولا الألفاظ المتشابهة التي تتزاحم في ذاكرة المعاجزين من أدعياء العلم، وإنما هو ذلك النور الإلهي الذي يشرق على القلب فيجد الحقائق وجدانا، ويعيها وعي دراية لا وعي رواية، حتى يقول أمثلهم هدى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
(لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينا) [١].
الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَ فهم يعلمون الحق، ويرون ما أنزل إلى الرسول، فيعرفون أن ذلك الحق التام الذي لا يشوبه هوى، ولا يخالطه باطل أو جهل هو هذا الوحي المنزل.
وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ والذي يؤتى العلم هو الذي يحيط به، فيستطيع فهم القرآن، والتمييز بين الحق والباطل، بين الدساتير والمناهج الحديثة المضلة وبين الآيات القرآنية، كما ميز سحرة فرعون بين حبالهم وعصيهم التي يخيل للناس أنها تسعى وبين الآية الحقيقية التي جاء بها نبي الله موسى عليه السلام.
ولعل اختيار اسمي العزيز الحميد، من بين أسماء الله الحسنى، جاء انسجاما مع الجو العام للسورة، التي هي تجليات اسم الحمد، ولأن الإنسان يتطلع إلى العزة وحميد الخصال، فلما رأى أولو العلم الوحي عرفوا أنه يحقق ذلك الطموح.
ويبدو أن الآيات الثلاث تبين ثلاثة نماذج من الناس: المسلمون أولًا ثم الكفار ثم الصديقون.
[١] غرر الحكم: حكمة ٢٠٨٦.آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.
من هدى القرآن ؛ ج٧ ؛ ص٢٦١
[