من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٢ - قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد
[٤٩] وحين يأتي الحق يزهق الباطل، ورب أمة تبقى غارقة في الغي والضلال مئات السنين، لكنها تهتدي للحق إذا جاءها مصلح يحمل راية الحق قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ فهو مسلوب الإرادة أمام الحق، وهذا يعني أن ما نراه من غلبة ظاهرية لأنصار الباطل على أنصار الحق، ليس لقوة فيهم بل لضعف في الطرف المقابل، فهؤلاء تدعمهم إرادة الله، وسنن الحياة، ومنطق الحق، وكان أحرى بهم، أن يربحوا المعركة لولا انفصام العلاقة بينهم وبين عوامل النصر.
ولعل معنى وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ: أنه لم يكن- منذ البدء- شيئا، فهو زهوق بذاته.
وفسروا الآية تفسيرات شتى، وربما الأقرب ما ذكرناه آنفا، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى: أن الباطل لا يبتدئ في كيان جديد ولا يتجدد كيانه السابق.
[٥٠] ثم إن الضلالة نابعة من نفس الإنسان، بما تنطوي عليه من الضعف والعجز والجهل و ..، بينما الهدى نعمة من الله له، وإذا ضل الإنسان فإن المردود السلبي للضلالة سيعود عليه.
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ وفي الآية تذكرة بالرسالة، وأنها مبعث الهدى، وأن الضلالة تعود على صاحبها بالخسار العظيم.
ولعل خاتمة الآية تشتمل على طلب بالهداية، في أرقى صيغ الدعاء، بما تشتمل عليه العبارات من تنزيه لله، واعتراف بالضعف أمامه، والحاجة إليه، وأنه مصدر الخير الذي ذروته الهداية للحق، وأنه السميع لدعاء عبده برحمته، والقريب في الإجابة بكرمه وجوده.
[٥١] وفي نهاية السورة يعود السياق للتذكير بالآخرة، لأنها أعظم فكرة تعطي التوازن لروح الإنسان وعقله، ولهذا نجد الذكر الحكيم يؤكد على الإيمان بالآخرة عند حديثه عن مختلف حقول المعرفة.
وإنما يجحد البشر الحق اتباعا لشهواته، وبحثا عن مصالحه في زعمه، فإذا عرف أن الجحود ينتهي به إلى نار جهنم فأية مصلحة له فيه؟
وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ فهم يرهبون يوم القيامة، ولكنهم لا يستطيعون الفرار من العدالة الإلهية حينئذ.
وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ لأن قدرة الله وحكومته تشمل الكون بأكمله، فأينما كانوا