من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٨ - محورية القيادة الرسالية في المجتمع
والخضوع الحقيقي هو الذي تشير إليه الآية الكريمة فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥]. فحتى في المجال الفكري والنفسي لا يجوز للمؤمن أن يتضايق من قضاء الرسول، بل ينبغي أن يسلم له راضيا به دون أدنى شك أو تردد.
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً ولعل أهم ما قضى به الله والرسول أن اختار أهل البيت عليهم السلام، وقضى بطاعتهم، إذ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فلا يجوز للمؤمن الاعتراض على هذا القضاء أو الفسوق عمليا عنه، وهذا مما يعزز تفسير الآية الكريمة (٣٣) في الدرس الماضي.
[٣٧] و كمثال على قضاء الله في الحقل الاجتماعي، يستعرض السياق بشيء من التفصيل قصة زيد بن حارثة بن شرحبيل، فهي من المسائل التي كان قضاء الله فيها مخالفا للعرف آنذاك، وزيد ابن شيخ لقبيلة اسمه حارثة، أغارت عليها قبيلة أخرى، فأخذ وبيع في مكة، فاشتراه الرسول صلى الله عليه واله والذي كان يسعى حتى قبل بعثته لتصفية آثار الجاهلية قدر ما يستطيع، وهكذا ينبغي للإنسان المؤمن السعي بما يستطيع وكيفما يقدر لإزالة آثار الجاهلية. فالرسول صلى الله عليه واله لم يكن قادرا على شراء كل العبيد وعتقهم أو تربيتهم، ولكنه اشترى بعضهم.
وفي قصة طويلة جاء والد زيد زائرا لمكة، وطلب من الرسول أن يشتري ولده، فجعل الرسول الخيار لزيد في البقاء معه أو الرحيل مع والده- بعد أن أعتقه- فاختار البقاء مع المسلمين وفي كنف النبي صلى الله عليه واله.
فعاش كأبرز صحابة الرسول، وقد أبلى في الإسلام بلاء حسنا، وكذلك ابنه أسامة رضي الله عنها، وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذ جعله يعيش تحت ظل رسول الله صلى الله عليه واله، فيهتدي للإسلام، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ، وكان إنعام الرسول يتمثل في عتقه لزيد من العبودية. وقد حدث أن أراد زيد طلاق زوجته زينب بنت جحش فنهره الرسول وقال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ لا تطلقها، وَاتَّقِ اللَّهَ في طلاقها ومضارتها.
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي أن الله كتب زينب زوجة لك وقد أعلمك بذلك، ومهما أخفيت ذلك فإنه سيظهره يوما من الأيام.
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ هكذا يحكي الله عن رسوله، بالرغم من أن آية لاحقة تصف المبلغ للرسالة بأنه لا يخشى إلا الله، فكيف نوفق بين الآيتين؟.