من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٠ - محورية القيادة الرسالية في المجتمع
وأئمة المتقين هم الذين يطلبون من الله أن يهبهم أفضل الأزواج والبنين، في الوقت الذين يطلبون أن يجعلهم أئمة للمتقين وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان: ٧٤].
وهذا هو السلوك المتكامل للقيادة، والذي يجعلها أسوة للآخرين، وهو سلوك القادة الرساليين من الأنبياء، والأوصياء، والأولياء عبر التاريخ، وهو دليل على نوع الرسالة التي يدعون الناس إليها.
إن الحياة الفاضلة هي التي تدعو إليها الآية الكريمة وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا [القصص: ٧٧]. ولا يمكن للقائد أن يتضخم فيه جانب على حساب الجانب الآخر، لأن الناس آنئذ لن يتبعوا هذه القيادة، لأن التمتع بالدنيا كما التطلع للآخرة قضية يقرها العقل البشري.
إذن لا داعي للحرج، وذلك لأسباب هي
أولًا: أن زواجه من زينب واجب مفروض عليه من قبل الله، كما إنه من نفع الرسول لذلك جاء التعبير ب لَهُ وليس عليه مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ.
ثانياً: أن التمتع بالدنيا إلى جانب السعي للآخرة ليس جديدا على الأنبياء والقيادات الرسالية، إنما هو سنة جرت بها الحياة سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ.
ثالثاً: لا بد أن نعتقد- نحن المؤمنين- بأن أوامر الله حكيمة ودقيقة، وهذا يبعثنا نحو التسليم لقضائه.
ونهايات الآيات التي هي مفاتيح لمعرفة إطارها العام، تهدينا إلى حكمة الله وأنه جعل كل شيء بقدر وحساب، ولو أن الرسول ترك متع الدنيا التي فرضها الله له، باعتقاد أن الآخرة هي الأهم، لخرجت حياته من التوازن، فلابد أن يستجيب لأوامر الله، فالدين ليس شيئا يصنعه الإنسان بفكره البسيط، إنما يجب أن يتبعه كما هو، وفي الحديث
(إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ
(المباحات)
كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَزَائِمِهِ
(الواجبات)) [١]. وحينما أقسم عثمان بن مظعون أن يصوم الدهر نهره الرسول، وقال له
(فَصُمْ وَافْطر، وَنَمْ وَقُمْ، وَأئتِ زَوْجكَ، فَأِنِي أَنَا أَصُومُ وَأُفْطِر وَأَنَامُ وَأُصَلي
..) [٢] وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً.
[١] وسائل الشيعة: ج ١ ص ١٠٧.
[٢] مجمع الزوائد، الهيثمي. ج ٢، ص ٢٦٠.