من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٨ - وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
وبكلمة إذا كان للإنسان بعدان: بعد جاهلي يعكس شهواته وأمنياته ونوازع الشر عنده، وبعد رسالي يعكس عقله وعواطف الخير فيه، فإن الشعر إفراز للبعد الجاهلي وتكريس له، سواء عبر عنه بقصائد موزونة ومنسقة أو بتعابير نثرية وعادية، ولكن بما أن الباطل مرفوض عند البشر بذاته فإن أصحاب الثقافة الجاهلية يزينونها للناس تارة بأنغام الشعر، وأخرى بأنواع البديع والبلاغة.
بينما الحق ليس بحاجة إلى كل ذلك، وإن كان الأدب الرفيع والحلة القشيبة، والبلاغة النافذة يزيدها جمالا وبهاء، إلا أن قدرته ليست في حلته إنما في محتواه، بينما قدرة الثقافة الجاهلية في التعبير عنها، ولذلك سمي شعرا، إشارة إلى أنه لولا وزنه وقافيته والتشبيهات الخيالية فيه لا يعتني به أحد، حتى قالوا: الشعر أعذبه أكذبه.
وهكذا جاء في الحديث في تفسير قوله تعالى في سورة الشعراء وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام
(نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ غَيَّرُوا دِينَ الله (وَ تَرَكُوا مَا) أَمَرَ اللهُ ولَكِنْ هَلْ رَأَيْتُمْ شَاعِراً قَطُّ تَبِعَهُ أَحَدٌ إِنَّمَا عَنَى بِهِمُ الَّذِينَ وَضَعُوا دِيناً بِآرَائِهِمْ فَتَبِعَهُمُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ)
[١]. وفي رواية مأثورة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في تفسير ذات الآية قال
(هَلْ رَأَيْتَ شَاعِراً يَتَّبِعُهُ أَحَدٌ إِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ تَفَقَّهُوا لِغَيْرِ الدِّينِ فَضَلُّوا وَ أَضَلُّوا) [٢].
هذا عن الثقافة الجاهلية أما عن رسالات الله فإنها تتميز بما يلي
أولًا: أنها تذكرة، فهي إثارة للعقل، وإيقاظ للضمير، وتحريض للفكر، وأبلغ حجة لصدقها أنها تتوافق وعقل الإنسان وما أودعه الله فيه من فطرة التوحيد.
ثانياً: أنها بلاغ مبين، فليست مجرد كلمات مزوقة لكنها جوفاء، إنما هي بيان للحقائق بوضوح شديد.
ثالثاً: إنها تنذر بالأخطار التي تهدد الفرد والمجتمع، فهي تفجر الطاقة بدل أن تخدرها، وتنتقد الواقع الفاسد بدل أن تبرره، وتواجه الانحراف والضلال، وتتحدى الظلم والطغيان.
والرسول الذي حمل مشعل الهداية، وتحدى قوى الكفر والضلال، وأعلن منذ البدء أنه النذير المبين، والذي جانب ومنذ صباه اللهو والعبث، واتسمت حياته الرسالية بأقصى درجات الصراع ضد الباطل، والاجتهاد في إبلاغ الدعوة، والجهاد والقتال في سبيل إعلاء
[١] وسائل الشيعة: ج ٢٧ ص ١٣٢، تفسير القمي: ج ٢ ص ١٢٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢، ص ١٠٨.