من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٩
[٨٢] من أصغر خلية إلى أعظم مجرة، كل مخلوق يؤدي دورا ويحقق هدفا، بينما يستوي الإنسان على عرش السلطة، فقد أوتي ما يسخر به ما في الأرض جميعا، وتوفر فرصة العيش الرغد لهذا المليك المكرم. أولم يقل ربنا سبحانه وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً [الجاثية: ١٣] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الإسراء: ٧٠] وعندما نتفكر في وجود الإنسان نرى كل شيء فيه يحقق هدفا، من أعظم جارحة كالمخ والقلب إلى أصغر نسيج.
تعالوا إذا نفكر: أليس لوجود الإنسان في الأرض بذاته هدف؟ وهل خلقه الله عبثا؟ فأين إذا حكمة الله، التي تتجلى في كل شيء؟! وأين عدالته التي نرى آياتها في السماوات والأرض؟!.
كلا .. إنما خلق الإنسان لهدف أيضا، وهو أن يتكامل إلى الله، وقد جاء في الحديث القدسي المعروف
(عَبْدِي خَلَقْتُ الأَشْياءَ لِأَجْلِكَ، وَخَلَقْتُكَ لِأَجْلي ..) [١].
وقال ربنا سبحانه أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
وقال ربنا سبحانه وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٦- ١٨].
وحين تفكر أولو الألباب في خلق السماوات والأرض عرفوا أن الخلق ليس باطلا فقالوا رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١].
ولكن هناك من يعرف هذه الحكمة ولكنه ينكر المعاد أيضا، كالفلاسفة المتأثرين بآراء اليونانيين القدماء. لماذا؟ لأنهم جهلوا كيف خلق الله الخلق، فقال بعضهم: الخلق صادر عن الله- سبحانه وتعالى- كما يتدفق الماء من العين. فكيف يعود الماء إلى العين تارة أخرى؟!.
وقال آخرون: بلى يعود، ولكن لا ليعذب أو يجازى على أفعاله، بل ليلتحق بالمصدر، كما تعود المياه إلى البحار بعد تطواف كبير!.
وقد أنكر هؤلاء البعث بالصورة التي جاءت بها كتب الله لجهلهم بكيفية الخلق، يقول ربنا وهو يوضح قدرته في أمر الخلق
[١] الجواهر السنية: ص ٣٦١.