من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٧ - ظهر الفساد بما كسبت أيدي الناس
يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
(أَيْنَ العَمَالِقَةُ وأَبْنَاءُ العَمَالِقَةِ أَيْنَ الفَرَاعِنَةُ وأَبْنَاءُ الفَرَاعِنَةِ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وأَطْفَئُوا سُنَنَ المُرْسَلِينَ وأَحْيَوْا سُنَنَ الجَبَّارِينَ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالجُيُوشِ وهَزَمُوا بِالأُلُوفِ وعَسْكَرُوا العَسَاكِرَ ومَدَّنُوا المَدَائِنَ) [١].
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ حينما تبحثون في الأرض، وحينما تنقبون في الآثار، وتبحثون في الأنظمة الاجتماعية السائدة عليهم ستكتشفون بأنهم كانوا مشركين في الأغلب، فإما كانوا عبدة الأصنام وما ترمز إليه من الثروة والقوة أو عبد الطاغوت.
في الآيات السابقة بين القرآن الشرك والتوحيد في مجال الاقتصاد، وبعدها في الأخلاق، وهنا بينها في مجال الصراع الحضاري، أو بتعبير آخر الصراع من أجل البقاء، فالشرك ليس الوسيلة المثلى للبقاء بل هو السبب الرئيسي للانهيار.
[٤٣] فإذا اكتشفنا بأن الشرك هو مادة الفساد، وسبب نهاية البشر فردا كان أو مجتمعا، فعلينا أن نخلص العبادة لله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ فإقامة الوجه لله أمان يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يتفرق بعضهم عن بعض، وحيث يتميز الكفار عن الصالحين، وتلك هي المفارقة الشرعية الوحيدة بين الإنسان وفطرة الإنسان.
[٤٤] فالذين كفروا فعليهم كفرهم يوم القيامة، إذ يتحول إلى حميم وغساق، والذين آمنوا فسوف يجدون أعمالهم الصالحة مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ فالعمل الصالح سيأتيك في يوم أنت أحوج ما تكون إليه، ولكن من كفر فإن نتيجة كفره ستكون وبالا عليه.
وفي هذه الآية ملاحظة هامة وهي: أن الله عندما ذكر من كفر، قال فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ بصيغة الفرد، وعندما ذكر من عمل صالحا قال فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ بصيغة الجمع، والفكرة هي: أن نتيجة الكفر تكون على صاحبها فقط في الآخرة، أما نتيجة الإيمان والعمل الصالح فتكون إضافة على أنها لصاحبها لذويه وأقربائه وسائر المؤمنين، فقد ورد
(وَقَبِلَ شَفَاعَتَهُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ) [٢].
وقد ورد في تفسير الآية وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف: ٨٢] في قصة اليتيمين اللذين أقام جدارهما الخضر عليه السلام. عن أبي عبد الله عليه السلام
(أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الأَبِ
[١] نهج البلاغة: خطبة ١٨٢.
[٢] من لا يحضره الفقيه: ج ٤، ص ٤١١.