من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٠ - هذا يوم البعث
إن أهم ما ينبغي أن يعرفه الإنسان أن العالم المحيط به لا يتبع أهواءه، ولا يمشي حسب أحلامه، بل حسب ما كتب الله.
فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ الذي أنكرتموه ولم يجدكم إنكاركم له نفعا، بلى؛ إن إنكاركم أفرز نتيجة واحدة هي جهلكم وعدم استعدادكم وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
ونستوحي من هاتين الآيتين: أن الكافر لا يعيش الزمن، ولا يعترف بالنهاية، ولا يحترم وقته الذي يسوقه إلى تلك النهاية الفظيعة، بينما المؤمن يعي حقيقة الزمن التي هي فرصته الوحيدة، ويتحسس بمرورها، فلا يدع ساعة من وقته دون أن يملأها عطاء ليتزود به ليوم فاقته يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨/ ٨٩].
بلى؛ إن منطق المؤمن من الزمن يجسده الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام حين يناجي ربه قائلا: (وَ أَعِنِّي بِالبُكَاءِ عَلَى نَفْسِي فَقَدْ أَفْنَيْتُ بِالتَّسْوِيفِ وَ الآمَالِ عُمُرِي وَ قَدْ نَزَلْتُ مَنْزِلَةَ الآيِسِينَ مِنْ خَيْرِي) ثم يضيف ضارعا: (وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَلَا أَدْرِي إِلَى مَا يَكُونُ مَصِيرِي وَأَرَى نَفْسِي تُخَادِعُنِي وَأَيَّامِي تُخَاتِلُنِي وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأْسِي أَجْنِحَةُ المَوْت) ثم يصور نفسه الساعات الرهيبة التي تنتظره لكي يتزود لها ويقول: (فَمَا لِي لَا أَبْكِي أَبْكِي لِخُرُوجِ نَفْسِي أَبْكِي لِظُلْمَةِ قَبْرِي أَبْكِي لِضِيقِ لَحْدِي أَبْكِي لِسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ إِيَّاي) ويبلغ ذروة ضراعته عند تذكر أهوال الساعة فيقول: (أَبْكِي لِخُرُوجِي عَنْ قَبْرِي عُرْيَاناً ذَلِيلًا حَامِلًا ثِقْلِي عَلَى ظَهْرِي أَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِي وَأُخْرَى عَنْ شِمَالِي إِذِ الخَلَائِقُ فِي شَأْنٍ غَيْرِ شَأْنِي لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ وَذِلَّة) [١].
[٥٧] لعل الشيطان يسول للعاصي فعل المحرمات بأن الآخرة مثل الدنيا، إذا ارتكب جريمة تنصل عنها، واعتذر، فتقبل معذرته، يقول ربنا لعلاج هذا الوسواس فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ.
وأساسا إن ذلك اليوم هو يوم الجزاء، لذلك لا يطالب الظالمون بالتوبة، لأن فرصتهم قد انتهت وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ.
[٥٨] وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يبين القرآن لنا من كل حقيقة في الخلق أو في النفس جزءا لنستدل به على الحقيقة كلها، ولكن كل تلك الحقائق لا تنفع الكافرين رغم وجود آيات الصدق عليها.
[١] بحار الأنوار: ج ٩٥، ص ٨٩، من دعاء أبي حمزة الثمالي.