من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٦ - الملائكة رسل الله
جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا، و الْمَلائِكَةِ: هي القوى العالمة، الشاعرة، المطيعة لله، وبعضهم موكلون بالخليقة، فللسماء ملك، وللشمس ملك، وللبحر ملك، وللريح ملك، وللمطر ملك، وللإنسان ملائكة حفظة وكتبة.
وبما أن هذه السورة تذكرنا بتدبير الله- سبحانه وتعالى- للسماوات والأرض كان مناسبا الإشارة إلى الملائكة الموكلين به، لكي لا يزعم البعض أن الملائكة قوى مستقلة فيعبدوهم من دون الله، كما عبد بعضهم الشمس، وبعض القمر، وبعض النجوم، و .. و ..
هكذا نستوحي من كلمة رُسُلًا أنهم مجرد حملة الأوامر إلى حيث يجري تنفيذها بإذن الله وبحوله وقوته.
وكلمة رُسُلًا لا تعني الاختصاص بالرسالة التشريعية، التي منها (التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وقرآن محمد) ولكن الملائكة تتنزل بإذن ربها من كل أمر، في سائر شؤون الخليقة أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ.
جاء في الأثر عن طلحة بإسناده، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه واله قال
(المَلَائِكَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ جُزْءٌ لَهُ جَنَاحَانِ وجُزْءٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ وجُزْءٌ لَهُ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ)
[١]. و لبعض الملائكة أكثر من ذلك بكثير، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صفة الملائكة
(إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلَائِكَةً لَوْ أَنَّ مَلَكاً مِنْهُمْ هَبَطَ إِلَى الأَرْضِ مَا وَسِعَتْهُ لِعِظَمِ خَلْقِهِ وَكَثْرَةِ أَجْنِحَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَوْ كُلِّفَتِ الجِنُّ وَ الإِنْسُ أَنْ يَصِفُوهُ مَا وَصَفُوهُ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ مَفَاصِلِهِ وَحُسْنِ تَرْكِيبِ صُورَتِهِ، وَكَيْفَ يُوصَفُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ مَنْ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ وَشَحْمَةِ أُذُنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسُدُّ الأُفُقَ بِجَنَاحٍ مِنْ أَجْنِحَتِهِ دُونَ عِظَمِ بَدَنه) [٢].
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ وقد أكدنا القول في سورة سابقة: أن الكون في حالة توسع دائم ومستمر، وهذه الآية توحي بأن يد الله مطلقة، وأن بيده البداء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[٢] وما نراه من صنوف الخلائق، وعجيب صنعها، وعظيم تقديرها، وتدبير شؤونها، يهدينا إلى أن خالقها مقتدر لا يعجزه شيء، مما يزيدنا ثقة به واطمئنانا لتدبيره، وسكينة في القلب تساعدنا على تقلبات الحياة، فلا نقنط بالبلاء، ولا نستريح عند الرخاء، ولانطمئن إلى الدنيا وأسبابها التي لا تثبت على حال.
[١] الكافي: ج ٨، ص ٢٧٢.
[٢] التوحيد للشيخ الصدوق: ص ٢٧٧.