من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٦
وقالوا: (إن البحث العلمي أكد أن كل أنواع الوقود من أشعة الشمس، وحتى اتقاد الخشب إنما هو بتخزّن هذه الأشعة فيه، وإلا فإن عناصره الأخرى كالماء والتراب لا نار فيها.
ذلك أن كل عملية تركيب كيماوية بحاجة إلى امتصاص الطاقة أو بثها، وعملية امتصاص الأشجار لثاني أكسيد الكربون بحاجة- حسب هذا القانون- إلى الطاقة، وهكذا فهي تستفيد من الطاقة الشمسية، وتستمر الأشجار في اختزان الطاقة بصورة منتظمة.
وهذه العملية لا تقوم بها الأخشاب اليابسة بل الشجر الأخضر، ولذلك ركز الحديث حوله، بالرغم من أن الناس يعرفون أن الخشب اليابس أسرع اشتعالا إلا إنه لا يخزن الطاقة) [١].
ولكن يبقى السؤال: لماذا ضرب الله بهذا مثلا؟.
الجواب
أولًا: إن ذلك يهدينا إلى قدرة الله الذي ضغط النار في الماء. أوليس الشجر الأخضر ينضح بالماء؟ فأبصر برب يخزن الوقود في الماء!.
ثانياً: إن السنن الإلهية الخفية أكثر من الظاهرة للإنسان منها، وما أوتينا من العلم إلا قليلا، وإننا نستبعد أشياء لأننا لا نعرف الأنظمة، فلو قيل لأحد من أجدادنا: سيأتي يوم يطير جهاز بعشرات الأطنان من الحديد في الفضاء، بسرعة فائقة لما صدق، لأنه لم يكن يعرف قوانين فيزيائية يعرفها الإنسان اليوم، وقديما قال الإمام علي عليه السلام
(النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا)
[٢]. وكذلك البشر ينكر البعث لأنه لا يعرف ما أودع الله في ضمير الوجود من أنظمة، كما لم يكن يعرف الإنسان كيف يجعل الله من الشجر الأخضر نارا، فلعل ذرات البدن التي تنفصل عنه بعد الموت تبقى ذات صلة خاصة به إلى أن يبعث الله من في القبور، أو تطبع عليها سمات تشير إلى مصدرها.
ثالثاً: إن ذرات الحرارة التي تنفصل عن الشمس وتخزن في الشجر الأخضر تبعث مرة أخرى إليها، ولكن دون أن يعدم منها شيء كما يحسب الجاهل، كذلك ذرات الجسم.
رابعاً: ولعل في الآية إشارة لطيفة إلى قانون إلهي في الوجود أن فيه الغيب والشهود، فهناك الشجر الأخضر تحسبه لجة ماء، فإذا فيه كتلة وقود مختزنة، كذلك الدنيا شهود الآخرة، بينما الآخرة غيب الدنيا، فأنت ترى جسد الميت المسيء بينما هو في النار كما الزناد احتوى على
[١] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج ١٤ ص ٢٢٥- ٢٢٦، نقلًا بتصرف.
[٢] غرر الحكم: الحكمة ٨٦٩.