من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٠ - إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ وأَنْتَ تَجْتَهِدُ هَذَا الِاجْتِهَادَ. فَقَالَ صلى الله عله واله
أَ فَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً) [١].
سادساً: القناعة بما يجده المرء، والابتعاد عن الحرص والشره. إن الشكر ليس وليد الرضا بأمر الله فقط، وإنما يساهم- أيضا- في تنمية روح الرضا والقناعة، ويجعل الإنسان يركز أبدا على الجوانب الإيجابية للحياة، ويتمتع بها، ويستفيد منها، وينطلق للحصول على المزيد منها بخطى ثابتة وواقعية ونفس راسخة العزم وهو مطمئن البال.
والقصة الطريفة التالية تعكس طبيعة النظرة الإيجابية عند أولياء الله الشاكرين، فلقد: (دَعَا سَلْمَانُ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنهما ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى ضِيَافَةٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ مِنْ جِرَابِهِ كِسَراً يَابِسَةً وَبَلَّهَا مِنْ رَكْوَتِهِ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: مَا أَطْيَبَ هَذَا الخُبْزَ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِلْحٌ. فَقَامَ سَلْمَانُ وَخَرَجَ فَرَهَنَ رَكْوَتَهُ بِمِلْحٍ وَحَمَلَهُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ أَبُو ذَرٍّ يَأْكُلُ ذَلِكَ الخُبْزَ وَيَذُرُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ المِلْحَ وَيَقُولُ: الحَمْدُ لله الَّذِي رَزَقَنَا هَذِهِ القَنَاعَةَ. فَقَالَ سَلْمَانُ: لَوْ كَانَتْ قَنَاعَةً لَمْ تَكُنْ رَكْوَتِي مَرْهُونَةً) [٢].
الصبر هدى وظفر
والصبر- كما الشكر- تجل لروح الإيمان عند النوائب، وفي لحظات عصف الشهوات، وعند تحمل الصعاب.
والآية تربط بين الصبر والشكر، وتجعلهما وجهين لروح واحدة، كما يتبين أن آيات الله تتجلى عند أصحاب هذه الروح.
بلى؛ لأن النفس التي تنساب مع النعم أو النقم لا تملك استقلالية في الرأي، ولا وضوحا في الرؤية، لأنها تميل مع رياح الظروف أنى مالت، فإذا عصفت بها الشهوات طغت وتجبرت، واستأثرت بالنعم، وتعالت على الآخرين، وإذا توالت عليها المصائب انهارت وأظلمت الدنيا عندها وجزعت، لذلك تتجلى الآيات الإلهية للصبار الشكور أكثر من غيره.
والواقع أن الصبار الشكور هو الحر حقا، الذي ينظر إلى الحقائق نظرة موضوعية ومجردة عن المصالح. جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
(إِنَّ الحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا وإِنْ تَدَاكَّتْ عَلَيْهِ المَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ وإِنْ أُسِرَ وقُهِرَ واسْتُبْدِلَ بِاليُسْرِ عُسْراً كَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ الأَمِينُ صلى الله عله واله لَمْ يَضْرُرْ حُرِّيَّتَهُ أَنِ اسْتُعْبِدَ وقُهِرَ وأُسِرَ ولَمْ تَضْرُرْهُ ظُلْمَةُ
[١] وسائل الشيعة: ج ٦، ص ١٩١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٣٢٠.