من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٢ - تتجافى جنوبهم عن المضاجع
كما إن من صفات المؤمنين أنهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يهجرون الفراش، ويتوجهون إلى ربهم بالعبادة والتبتل، والإنفاق في سبيله، مما يجعلهم أهلا لثوابه، وهذا مما يخالف التمنيات والآمال، ويؤكد أن العاقبة الحسنى لا تكون إلا بالسعي والعمل.
بينات من الآيات
[١٢] المؤمن هو الذي يرى المستقبل البعيد رؤية واضحة، فإذا به يجتنب المهالك لأنه يستضيء بنور عقله الذي يتقد بالوحي، فيعلم يقينا بالنتائج التي ينتهي إليها منهج الانحراف عن الرسالة.
أما الكافر الذي أطفأ البصيرة في نفسه- لكثرة مخالفته عقله وضميره- فهو لا يستفيد من رسالة ربه في معرفة الحقائق، ويكون عرضة للأخطاء والمخاطر، لأنه بمنطقه المادي البحت لا يهتدي إلى النتائج إلا بالتجربة، وماذا ينفع الإنسان لو اكتشف خطأ في مرحلة لا ينفعه ذلك كالآخرة؟!
وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ تعبيرا عن الذلة والحسرة الشديدتين.
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا الآن في الآخرة إذ رأينا الحقيقة، وَسَمِعْنَا؛ لعل معناه: رأينا بأعيننا، وسمعنا عن ما رآه غيرنا، أو معناه: رأينا الحقائق، وسلمنا لها تسليما.
فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ لقد كان بالإمكان أن يصل هؤلاء إلى هذا اليقين في الدنيا، لو استفادوا من عقولهم، أو اتبعوا رسالة الله، ولكنهم لم يفعلوا. والله يؤكد على هذه الحقيقة في سورة التكاثر إذ يقول كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ [التكاثر: ٣- ٦].
ولأن المتقين استفادوا من عقولهم ووحي ربهم فإنهم عرفوا بأن منهج الكفر ينتهي إلى النار، بينما ينتهي منهج الإيمان إلى الجنة
(فَهُمْ والجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ ولَوْ لَا الأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وخَوْفاً مِنَ العِقَابِ) [١].
[١٣] وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ولكن الهداية التي تنفع الإنسان، وتتفق
[١] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ٣١٥.