من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٥ - ظهر الفساد بما كسبت أيدي الناس
الإمام الصادق عليه السلام انه قال
(حَيَاةُ دَوَابِّ البَحْرِ بِالمَطَرِ فَإِذَا كُفَّتِ المَطَرُ ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَذَلِكَ إِذَا كَثُرَتِ الذُّنُوبُ وَالمَعَاصِي) [١].
ربما لا يكتشف العلم العلاقة بين الزنا وموت الفجأة أو بين التطفيف و الفقر، أو بين المعاصي وانقطاع المطر، ولكن الحقيقة أن هذه أثر من تلك، وأن طاعتك أو معصيتك تؤثر فيما حولك، وقد أكد القرآن على هذه الفكرة مرارا فقال
١- وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً [الجن: ١٦].
٢- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦].
٣- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢].
إنك إذا لم تعرف سبب الابتلاءات أنها من الذنوب، فلا دليل لك على أن تبقى على سلوكك المنحرف، وتحتمل تبعة هذا السلوك، فقد جاء في الحديث المأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام فِي قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى ٣٠]
(لَيْسَ مِنِ التِوَاءِ عِرْقٍ ولَا نَكْبَةِ حَجَرٍ ولَا عَثْرَةِ قَدَمٍ ولَا خَدْشِ عُودٍ إِلَّا بِذَنْبٍ ولَمَا يَعْفُو اللهُ أَكْثَرُ فَمَنْ عَجَّلَ اللهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَجَلُّ وأَكْرَمُ وأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي عُقُوبَتِهِ فِي الآخِرَةِ)
[٢]. وقد عبر الله عن عمل الذنب بما كسبت اليد، لأن اليد هي التي تباشر عادة فعل الذنب، وتعبير اليد تعبير عن الإرادة كقولك: هذا الأمر بيدك.
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وتشير خاتمة الآية إلى حقيقتين أخريين
الأولى: أن الله سبحانه يعفو عن كثير من الذنوب، وإنما يعجل عقوبة بعض الذي عملوا، وفي التعبير القرآني بلاغة نافذة، فإن ما ينزل العذاب يكون ذا ألم يذاق لِيُذِيقَهُمْ، وإنه تجسيد لذات المذنب حيث لم يقل ربنا سبحانه مثلا: ليذيقهم عقوبة بعض ..، وإنما قال تعالى لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ، فالذي عملوه بذاته يضحي عذابا.
الثانية: أن حكمة العذاب تنبيه البشر لعله يبتعد عن غيه، ويعود إلى الطريق المستقيم
[١] بحار الأنوار: ج ٧٠، ص ٣٤٩.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٤٤٥.