من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٥ - وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
والأرض وعموم الطبيعة إنما وصلت لهذه الصورة من الكمال عبر مراحل، قال تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة: ٤].
وهذه الآية تكشف لنا طبيعة النمو البشري، وأن البشرية منذ خلق الله آدم عليه السلام، إلى أن بعث النبي الأكرم صلى الله عليه واله كانت في مسار تكاملي، وأن الرسالات كانت تنسخ بعضها بعضا، وتهيمن على التي قبلها لأسباب من أهمها التكامل، حتى جاءت الرسالة المحمدية خاتمة لكل الرسالات، لأنها في آخر المراحل- وهذا من معاني الإحاطة- فلم يكن بدعا، ولا خلافا للحكمة أن يبعث الله رسوله الأكمل في آخر مرحلة.
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ولعل خاتمة الآية تشير أيضا إلى أن الله ضمن رسالته الخاتمة كل ما احتاجته وتحتاجه حياة البشرية حتى قيام الساعة، وذلك لإحاطته علما بكل ما قد يقع، وكيف يقع، وما هي حاجة الناس عندما تتطور حياتهم. أوليست البشرية تتطور في إطار سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير، أوليس الله عليما بتلك السنن التي أجراها؟! بلى؛ ولذلك جعل رسالته الخاتمة مهيمنة على تلك السنن.
[٤١] و حتى يعرفنا الله بهذا الرسول العظيم يعرفنا بنفسه أولًا، وذلك حين يدعونا لذكره.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً لان أجل الإنسان مستور عنه، ولا يعلم أي خاطرة أو كلمة أو حركة تكون هي خاتمة حياته، فلعل خاطرة الانحراف، أو كلمة الخبث، أو حركة السوء تكون نهاية المطاف، فتهوي به سبعين خريفا في النار- كما يقول الرسول صلى الله عليه واله- وهكذا يجب عليه أن يستقيم على الحق بقلبه ولسانه وجوارحه وذلك بذكر الله، الذي يعني اتصال قلب الإنسان بربه عز وجل، قال الإمام الصادق عليه السلام
(مَا ابْتُلِيَ المُؤْمِنُ بِشَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ يُحْرَمُهَا قِيلَ ومَا هُنَّ قَالَ المُوَاسَاةُ فِي ذَاتِ يَدِهِ والإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ وذِكْرُ الله كَثِيراً أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ سُبْحَانَ الله والحَمْدُ لِلَّهِ ولَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ولَكِنْ ذِكْرُ الله عِنْدَ مَا أَحَلَّ لَهُ وذِكْرُ الله عِنْدَ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ) [١].
وما يدري البشر أن فكرة شيطانية واحدة تسبب دماره. أوليس إبليس بدأ الكفر بفكرة جالت في خاطره حينما قال: لو أنصفني الله لكنت أنا شيخ الملائكة وسيدهم، فأخرج الله كبره عندما امتحنه بالسجود لآدم عليه السلام؟!.
[١] الكافي: ج ٢، ص ١٤٥.