من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٤ - وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
أم لما هو أشمل من هذا وهو نفي العلاقة المادية بين الرسول وبين أمته كالتي زعمها اليهود في علاقتهم بموسى، وحسبوا أنها وحدها كافية لشرفهم وكرامتهم عند ربهم، بل ونجاتهم من جزاء أعمالهم المنكرة، فجاءت الآية تحصينا للأمة الإسلامية من تسرب هذه الفكرة الشيطانية إلى صفوفهم.
ويبدو أن الإجابة الأولى ظاهر الآية وتفسيرها، والثانية باطنها وتأويلها، وكلاهما صحيح، بلى؛ إن الرسول سمى نفسه أبا لهذه الأمة حين قال صلى الله عليه واله
(أَنَا وَعَلِيٌّ أَبَوَا هَذِهِ الأُمَّةِ) [١].
ولكن الواضح أن مراد الآية ليس الأبوة المادية بل المعنوية التي تفوق تلك بدرجات، ولذلك كان الشطر الثاني من الآية هذه يكرس العلاقة المعنوية بين الرسول وأمته.
وهذا يعني أن الصفة الأساسية للرسول ليست أبوته إنما رسالته، فلا يمكن لأحد أن يدعي نبوته للرسول وبالتالي تميزه عن الناس بها، إنما يتميز الإنسان بخضوعه للنبي واتباعه لرسالته.
وإذ ننسب فاطمة وأبناءها عليهم السلام بأنهم أبناء الرسول وأهل بيته فليس ذلك فقط لقرابتهم الاجتماعية منه، إنما لتجسيدهم قيمه ورسالته في الحياة مما جعلهم أبناءه قلبا وقالبا. روحيا وجسديا.
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وهذا نفي للعلاقة المادية المجردة، بينما الشطر الثاني من الآية إثبات للرسالة والعلاقات المنبثقة منها وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ
وفي تفسير الرسول لهذه الآية: قال جابر بن عبد الله الأنصاري، قال النبي صلى الله عليه واله
(إِنَّما مِثْلي فِي الأَنْبِياء كَمِثْل رَجُلٍ بَنَى دَاراً فَأَكْمَلَها وَحَسَّنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَة، فَكَانَ مَنْ دَخَلَهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ: مَا أَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ هَذِهِ اللبنةِ.
قَالَ صلى الله عليه واله
فَأَنَا مَوْضِعَ اللبِنَة، خَتَم بي الأَنْبِياء)
[٢]. وهذا يعني أن الكيان الرسالي غير مكتمل من دون الرسول.
وفي نهاية الآية الكريمة يؤكد الله على إحاطته علما بالأشياء، فما هو معنى ذلك، وما علاقته بما قبله؟.
حينما نراجع آيات القرآن حول الطبيعة نجدها تحدثنا عن النمو والتكامل، فالسماوات
[١] بحار الأنوار: ج ١٦، ص ٩٥.
[٢] تفسير مجمع البيان: ج ٨، ص ١٦٦.