من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢١ - إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
الجُبِّ ووَحْشَتُهُ ومَا نَالَهُ أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الجَبَّارَ العَاتِيَ لَهُ عَبْداً بَعْدَ إِذْ كَانَ لَهُ مَالِكاً فَأَرْسَلَهُ ورَحِمَ بِهِ أُمَّةً وكَذَلِكَ الصَّبْرُ يُعَقِّبُ خَيْراً فَاصْبِرُوا ووَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ تُوجَرُوا) [١].
هكذا الصبر عنوان الإنسان الحر، ومفتاح الفرج بعد الشدة، وهو- كذلك- صلاح العمل. أوليس الزمان جزءا من فطرة الخليقة؟! فمن لا صبر له لا يمكنه أن يوظف عامل الزمن لمصلحته، فيكون سببا لفساد أعماله. أرأيت الفلاح الذي لا ينتظر الموسم المناسب لزراعته، والتاجر الذي لا يصبر حتى تزدهر السوق لبيع سلعته، والثائر الذي يستعجل تفجير ثورته. أوليس يفشل هؤلاء، بينما ينجح الصابرون؟! بلى؛ قال الإمام الصادق عليه السلام
(دَخَلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام
المَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ كَئِيبٍ حَزِينٍ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام
مَا لَكَ؟. قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُصِبْتُ بِأَبِي
[وَأُمِّي]
وَأَخِي وَأَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ وَجِلْتُ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام
عَلَيْكَ بِتَقْوَى الله وَالصَّبْرِ تَقْدَمْ عَلَيْهِ غَداً وَالصَّبْرُ فِي الأُمُورِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ فَإِذَا فَارَقَ الرَّأْسُ الجَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ وَإِذَا فَارَقَ الصَّبْرُ الأُمُورَ فَسَدَتِ الأُمُورُ)
[٢]. وبالذات الإيمان فإن رأسه الصبر، لأن أعظم خصائص الإيمان الاستثمار لليوم الآخر، ولا يبلغه من لا صبر له. يقول الإمام علي بن الحسين عليهما السلام
(الصَّبْرُ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ ولَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ) [٣].
وحقيقة الصبر الاستفادة من عامل الوقت، واستشراف المستقبل، والتخطيط له، وتوظيف الطاقات لأجله، وبالنسبة إلى المؤمن يعتبر اليوم الآخر الحياة الحقيقية، ولذلك فهو يعمل له أبدا، ولكنه يقتطع من كل مساعيه جزءاً مناسبا للدنيا، حسب وصية ربه له حيث يقول وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا [القصص: ٧٧]. ولذلك فإن المؤمن يستسيغ الصبر في كل الظروف، وفي مواجهة مختلف الاحتمالات، وقد قسم الشرع الصبر على ثلاثة
- الصبر عند النوائب.
- الصبر على الطاعات.
- الصبر على المعاصي.
ووضع لكل واحد منها درجة من الثواب. تعال نستمع إلى الإمام علي عليه السلام يحدثنا عن
[١] الكافي: ج ٢، ص ٨٩.
[٢] المصدر السابق: ص ٩٠.
[٣] المصدر السابق: ص ٨٩.