من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦١ - إنك لمن المرسلين
[١١] والسبيل إلى النجاة من الحلقات المتداخلة للشقاء يمر عبر محاربة الجبت وجهاد الطاغوت، و بالتالي اتقاء الأغلال والسدود.
كيف؟.
أولًا: باتباع الذكر الذي هو القرآن الكريم، وذلك بأن يكون قرار الإنسان مع نفسه اتباع الحق الذي يذكر به الوحي ويعرفه العقل.
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ولعل استخدام لفظة الذِّكْرَ هنا كان للإشارة إلى مصدري المعرفة: الوحي والعقل، اللذين ينتهيان- بالتالي- إلى نور واحد، فالوحي يثير العقل، والعقل يصدق الوحي، والإنسان يتبع ذلك الذكر، وأولئك الذين عودوا أنفسهم على اتباع الحق هم الذين ينتفعون بالإنذار، لأن نظرتهم موضوعية، ومنهجهم الفكري سليم، ولا يملكون حجابا يمنعهم عن فهم الحقائق.
ثانياً: بخشية الله ورجاء رحمته، حتى يحاربوا بذلك جبت أنفسهم، ويفكوا عن قلوبهم أغلال العصبية و العناد والكبر والعزة والإثم.
إن خشية الله تضيء في القلب مصباحا يرى به الحقائق. أوليست خشية الناس أو خوف الفقر أو الحذر من الطبيعة تنكس القلب، وتدع رؤيته مقلوبة؟ كذلك تضحي خشية الله وسيلة الهدى، لأن من يخشى ربه بالغيب لا يخاف شيئا.
وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ لعل ذكر كلمة الرحمن هنا يهدف إلى إيجاد حالة من التوازن بين الخشية والرجاء، فهو الله أرحم الراحمين و خشيته لا تبلغ درجة القنوط من رحمته، أنى كثرت الخطايا وعظمت الذنوب.
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إن من أبعاد المغفرة تجاوز آثار الذنوب في الواقع الخارجي أو على النفس. إن السلطات الظالمة، والنظام الاقتصادي الفاسد، والأنظمة الاجتماعية المتخلفة كلها من آثار الذنوب، وحين نتبع نهج الله، ونطيع أولياءه، فإن الله سبحانه ينصرنا على الطغاة والمترفين، ويسن لنا شرائع سمحاء قائمة على أسس العدل والإحسان، كما ينزع من أفئدتنا حب الشهوات، ويعيننا على العادات السيئة.
إن المغفرة بشرى عظيمة، فطوبى لمن غفر الله له ذنوبه، وهي تمهد للأجر الكريم في الدنيا بحياة فاضلة تعمها السعادة والفلاح، وبرضوان الله وجناته في الآخرة.
[١٢] إن أعظم إنذار يستجيب له المخبتون ولا ينتفع به الغافلون، هو النشور حيث