من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٦ - صلوا عليه وسلموا تسليما
من جهة، ومن جهة أخرى يشعر المدعو له بالميل ومن ثم المحبة، حتى ولو لم يفعل شيئا غير الدعاء، لأن للقلوب عليها شواهد، ولأن النفوس جنود مجندة، تتآلف غيبيا كما تتآلف شهوديا.
ونحن عندما نصلي على رسول الله صلى الله عليه واله فإن حبه واحترامه يسمو في قلوبنا إلى أن نصير محبين له، مما يسهل علينا طاعته، والتأسي به، وقد قرأت في علم النفس: أنه وبعد التجارب العديدة ثبت أن الحب أقوى عامل للطاعة، وأن الطفل- على سبيل المثال- أكثر ما يطيع أمه حبا لها، لا خوفا منها، وفي المقابل تقدم الأم لطفلها الحنان والعطف والتضحيات لأنها تحبه.
[٥٧] إن الذي يبتعد عن رسول الله صلى الله عليه واله يبتعد عن رحمة الله وهؤلاء هم الذين يؤذون رسول الله، سواء بالنيل من شخصيته أو بأذى ذريته أو بمخالفته أو ما أشبه.
وفي أكثر من مناسبة قرنت طاعة الله بطاعة رسوله، وهنا نجد أن السياق يذكر أذى الله قبل أذى الرسول للتأكيد بأن الموقف من الرسول يحدد الموقف من رب العالمين، فمن آذى الرسول فقد آذى الله.
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً وهؤلاء بدل الصلاة على النبي وآله المفروضة عليهم تراهم يؤذون النبي في نفسه أو في أهل بيته أو في التابعين له، فتلحقهم لعنة الله في الدنيا بالابتعاد عن بركاته، وفي الآخرة بالحرمان من شفاعة الرسول صلى الله عليه واله.
ونستوحي من الآية فكرة هامة وهي: أن الأمة التي تؤذي القيادة الرسالية بمخالفتها، والاستهانة بها تعذب في الدنيا والآخرة، بينما الأمم التي تعودت على الخضوع لقيادة الحق تكون أعز وأعظم شأنا في الدنيا والآخرة .. وواضح من واقع الأمة الإسلامية أنها حين التزمت بالطاعة للقيادة الرسالية في مطلع فجرها صارت أعز الأمم وأفضلها، أما حين نبذت أئمة الحق انحرفت مسيرتها نحو الدمار والتخلف.
[٥٨] ولأن ثمة أناس لا يستطيعون النيل من الرسول، فإنهم يحاولون المس بكرامة المؤمنين، وقد تعرض السياق لأذى المؤمنين، مؤكدا بأنه ينتهي إلى العذاب أيضا، ولا ريب أن من يؤذي أتباع الرسول- نساء أو رجالا- فإنه يؤذي نفس النبي، وبالتالي يؤذي الله.
ولقد ثبت في التاريخ: أن أبا طالب- والد الإمام علي عليه السلام- كان من أرفع المؤمنين درجة، وأقربهم إلى النبي صلى الله عليه واله وقد سمى الرسول العام الذي توفي فيه أبو طالب رضي الله عنه بعام الحزن، وكيف لا وكان له بمنزلة الأب الحنون؟! ولكن أقحمت بعض الروايات الملفقة حوله