من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٥ - وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
ثانياً: إذا كانت العبادة حقا هي الطاعة فإنهم كانوا مطيعين للجن وليس لنا نحن الملائكة.
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً المشركون ومن عبدوهم.
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ولعل تقديم المفعول الذي يدل على الحصر يوحي بأن طبيعة العبادة لا تتجزأ، فلو كانوا يعبدوا الملائكة حقا فلابد أنهم كانوا يخلصون العبادة لهم.
[٤١] هنالك انكشف زيف ادعاء المشركين عبادتهم للملائكة إذ .. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا يمكن أن نرضى بشريك لك، فأنت الرب القدوس، الذي لا شريك له.
أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ويبدو أن معنى (الولي) هو القريب، فيكون مراد الملائكة: أنت الذي نتقرب إليك، ولسنا نرضى بقرب هؤلاء الذين لا يسوى ولاؤهم لنا شيئا، فما قيمة عبادة همج رعاع، لا يضرون ولا ينفعون؟!.
ونستوحي من هذه الإجابة: أن علينا ألا نرضى بطاعة الناس لنا إذا كانت تسخط الرب، فإن طاعتهم لا تغني شيئا عن عذاب الرب، وما قيمة طاعتهم إذا أسخطت ربنا الذي بيده نفعنا وضرنا وهو بكل شيء قدير؟!.
ثم أشارت الملائكة إلى أن عبادة المشركين هي للجن في الواقع.
بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ فالعبادة هي الطاعة، وبالطاعة تنعكس توجهات المعبود على سلوك العابد، وبما أن سلوك المشركين المنحرف يعكس توجهات الجن فإنهم كانوا في الواقع يعبدون الجن التي هي الموجودات الغيبية التي يمكن أن تكون منحرفة، ولذلك أمرنا الله أن نستعيذ به منهم في سورة الناس فقال تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ١- ٦].
ثم إن العبادة تعكس عادة صلة العابد بالمعبود، وصلة هؤلاء كانت مع الجن دون الملائكة، إذ إن الجن كانت توسوس في صدورهم، وتدعوهم إلى الضلالة.
أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فالجاهليون كانوا ينسبون الخوارق للجن، ويقدسونها، ولعل تغيير الصيغة من العموم إلى الأكثرية جاء بسبب أن العبادة أشمل من الإيمان إذا فسرناها بالتسليم والطاعة المطلقة، فكثير أولئك الذين يعبدون السلاطين خوفا وطمعا ولا يؤمنون