من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧١ - وكان عهد الله مسؤولا
وقد مر في تفسير سورة الأنفال القول: بأن أهم عمل قامت به الملائكة، كان تثبيت قلوب المؤمنين من جهة، وتشتيت قلوب الكافرين من جهة أخرى، وعلى ضوء هذا التفسير نستطيع القول بأن أهم قوة عسكرية تستطيع هزيمة العدو هي التي تتوفر فيها صفتا الوحدة والاستقامة، اللتان تؤديان إلى الثبات في المعركة.
ونصر الله للمؤمنين لا يأتي إلا إذا بذلوا قصارى جهدهم، وكل ما بوسعهم من أجله، فلو كان المسلمون يوم الأحزاب ينتظرون عون الله، من دون تهيئة الظروف المناسبة له، من استعداد لمواجهة العدو، وإعمال للعقل في سبيل ذلك لما نصروا عليهم، ولعله لهذا يشير إلى سعي المؤمنين.
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً فلأنكم بذلتم ما في وسعكم، وحفرتم الخندق في أربعين يوما متواصلة، وأرهقتم أنفسكم في شهر رمضان، وفي حرارة الصيف، وقد رأى الله منكم كل ذلك وعلم بنواياكم الصادقة نصركم على الأحزاب.
[١٠] إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أي من فوق الوادي- من ناحية الشام- وهم يهود بني قريظة وبني النضير وغطفان، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من ناحية مكة- قبل المغرب- وهم قريش ومن تبعها من العرب، وكان من شدة الأمر أن الأبصار في تلك الحالة لم تكد ترى أو تستقر، وهذه الحالة تصيب الإنسان لا إراديا إذا واجه أمرا يهوله ويعظم في نفسه.
وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ كما إن القلب يظل ينبض بقوة وسرعة في مواطن الفزع، بحيث يشعر الإنسان وكأنه صعد إلى حنجرته وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ في ساعة العسرة تأتي البشر مختلف التصورات حول ربه، وربما يكون الكثير منها سلبيا، فإذا به وهو يقف في صف المؤمنين لمحاربة أعداء الرسالة يفقد الثقة بنصر ربه، ويظن أنه لن ينصره، وهل الإيمان إلا حسن الظن بالله.
[١١] لكن الله يجعل الأحداث تتصعد وتتأزم، وقد يؤخر النصر، ويعرض المجتمع لأنواع الابتلاء، وذلك تمحيصا للقلوب، وفرزا للمجتمع، فإذا به فريقان، فريق المؤمنين وفريق المنافقين.
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أما المؤمنون فقد كان الأمر بالنسبة إليهم امتحانا- أظهر ما يضمرونه في قلوبهم على ألسنتهم- كما تسببت شدته، في ذهاب الصفات التي لحقت بهم، والتي ليست من طبيعة الشخصية المؤمنة، فإذا به يزيدهم إيمانا وصفاء.