من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤١ - إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
تجاوز السياق الإجابة عن ذلك، مكتفيا بالتأكيد على حتمية وقوعه، وأن تبرير الكفر بطاعة الكبراء لن يغني عن العذاب شيئا.
ثم يوضح ربنا وجاهة النبي صلى الله عليه واله عنده، ناهيا المؤمنين عن التشبه ببني إسرائيل الذين آذوا موسى عليه السلام حيث اتهموه بقتل هارون، وبالبرص، كما ادعى عليه قارون- بالتعاون مع فاجرة من بني إسرائيل- أنه زنى بها، لكن الله برأه من كل ذلك، وفي هذا إشارة إلى أن أراجيف المنافقين سوف تذهب سدى بقدرة الله، وفي الأثناء يدعو الله المؤمنين للتقوى، ذلك أنها أساس المنطق السليم، فهي تبعد الإنسان عن الكذب والتهمة، وتدعوه للتثبت في منطقه، كما تصلح سعيه في الحياة، وتمحو أخطاءه، ولأن التقوى لا تتم إلا بطاعة الله والقيادة الرسالية، وجدنا الآية تصفها بالفوز العظيم.
وتختم السورة آياتها بالحديث عن أمانة عرضها الرب على السماوات والأرض والجبال، فرفضتها خوفا من عدم تحملها، وبالتالي من العذاب والغضب الإلهي المترتب على ذلك، بينما تحملها الإنسان، فخانها المنافقون والكفار بظلمهم وجهلهم، فما هي هذه الأمانة؟
من ناحية السياق، جاءت الكلمة بعد الحديث عن الطاعة، مما يوحي بأنها تعني الطاعة لله وللرسول، وبالذات لرسول الله، لما في طاعته من خروج من سجن الذات، الأمر الذي يستصعبه البشر، فقد يكون سهلا عليه الاستجابة للقيادة في الأمور العادية كالصلاة، والزكاة، والحج، ولكن من الصعب عليه الخضوع لإنسان مثله في الظاهر لو نصبه الرسول قائدا له.
وهناك أقوال أخرى حول الأمانة تبناها بعض المفسرين، فقال بعضهم أنها الأمانة المتعارفة، كما لو أعطاك شخص ما ماله لتحفظه له فإن ذلك مما يصعب على الإنسان رعايته وأداؤه، وقال آخرون: أنها العقل والعلم والإرادة والحرية، ومثلوا على ذلك بأن الله وهب العقل للإنسان من دون المخلوقات الأخرى كالحيوانات، ووهبه الإرادة والاختيار دون الملائكة الذين جردهم عن الشهوة الدافعة لهم باتجاه الشر والفساد، وقد وصفهم عز وجل بقوله بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦- ٢٧].
وكل هذا صحيح ولكن التجربة الحقيقية للإنسان بعقله وعلمه واختياره إنما تكون في طاعة الرسول بتمام المعنى، التي تعتبر أصعب تجليات الاختيار في حياة البشر، فلا معارضة إذن بين القول بأن الأمانة هي العقل، وبين القول بأنها الطاعة للرسول بدلالة السياق القرآني.