من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٤ - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
أولاده، إنما كان أمرا إلهيا مباشرا، كما إن سنة الله في الحياة تقتضي أن يبقى خط رسالي صالح العمل، وطاهر النفس، تمتد الرسالة من خلاله للأجيال، ولعل حفظ الله للرسالة في قوله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، يتم بوسائل عديدة من أهمها وجود الخط الأصيل الذي يحفظ الرسالة من التحريف.
كما إنه لابد للناس من قدوة وإمام، وخط أصيل يستوعب أفراده روح الرسالة، ويجسدونها في سلوكهم، ويتوارثونها عبر الأجيال ليكرسوها في الأمة جيلا بعد جيل، ومدة بعد مدة، وفي دعاء الندبة إشارة واضحة إلى هذه الفكرة، فقد ورد فيه
(أَيْنَ أَبْنَاءُ الحُسَيْنِ صَالِحٌ بَعْدَ صَالِحٍ وَصَادِقٌ بَعْدَ صَادِقٍ أَيْنَ السَّبِيلُ بَعْدَ السَّبِيلِ أَيْنَ الخِيَرَةُ بَعْدَ الخِيَرَةِ أَيْنَ الشُّمُوسُ الطَّالِعَةُ أَيْنَ الأَقْمَارُ المُنِيرَةُ أَيْنَ الأَنْجُمُ الزَّاهِرَةُ أَيْنَ أَعْلَامُ الدِّينِ وَقَوَاعِدُ العِلْمِ أَيْنَ بَقِيَّةُ الله الَّتِي لَا تَخْلُو مِنَ العِتْرَةِ الهَادِيَة) [١].
وفي أصول الكافي قال الإمام الباقر عليه السلام
(وَالله مَا تَرَكَ اللهُ أَرْضاً مُنْذُ قَبَضَ آدَمَ عليه السلام إِلَّا وفِيهَا إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى الله وهُوَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ ولَا تَبْقَى الأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ) [٢].
فليس غريبا إذن أن نجد الحديث عن أهل البيت في سورة الأحزاب التي جاءت لبيان الرسالة وموضوع القائد الرسالي، وسوف نجد الآيات المناسبة لهذا الموضوع في ضمن السورة- وهو أمر طبيعي- إذ لا بد للقائد الرسالي من امتداد في المجتمع.
[٣٤] ثم يذكرنا الله بواحدة من الواجبات التي ينبغي على زوجات الرسول مراعاتها وهو ضرورة أن يكن داعيات للرسالة، ملتزمات بها.
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ لأنها السبيل لتقويم السلوك والطهارة، وليس من شك أن التلاوة التي لا يعقبها العمل لا تنفع صاحبها، وإنما يؤكد الله على نساء النبي بذكر الآيات لكي لا يتصورن الرسالة ما دامت تنطلق من بيوتهن إلى الناس فهي لا تخصهن، بل إن مسؤوليتهن تبليغ الرسالة، فالقرآن كما جاء ليصنع قدوة للرجال تتمثل في الرسول الأعظم صلى الله عليه واله فكذلك جاء أيضا ليصنع قدوة للنساء ونساؤه أولى بالعمل بها.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً فهو يحيط بكن، ويعلم هل استوعبتن الرسالة، وعملتن
[١] بحار الأنوار: ج ٩٩، ص ١٠٦، من دعاء الندبة.
[٢] الكافي: ج ١، ص ٥٩.