من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٠ - صورتان لحضارتين
الكبير في القضاء على الجانب الأكبر من عبادة الجن الشائعة في التاريخ.
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ولعل القضاء هنا هو إجراء القدر الأول، مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ وهي الأرضة تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ أي العصا التي يتوكأ عليها، والاعتماد على العصا ليس دليلا على العاهة أو المرض، لأن موسى عليه السلام المعروف ببطشه وقوته كان يتوكأ عليها أيضا قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه: ١٨].
وحينما أكلت الأرضة العصا التي يعتمد عليها سليمان خر إلى الأرض فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
ولهذه الآية تفسيران
الأول: أن معناها بعد أن خر جسد سليمان عليه السلام إلى الأرض عرفت الجن بموته الذي مضى عليه عام واحد، فتمنوا علم الغيب، إذ لو أوتوا ذلك لما بقوا يعملون هذه المدة، ويشير هذا الأمر إلى أن الجن كانوا مسخرين بالقوة، وما كانوا يقدرون على التمرد ضد سليمان في حياته.
الثاني: أنه لما خر جسد سليمان إلى الأرض، وكان الجن قد عملوا له سنة كاملة، دون علم بموته، افتضح أمرهم عند الناس، وانكشف للجميع أنهم لا يعلمون الغيب، إذ لو كانوا كذلك لما بقوا يعملون شيئا لا يريدونه، ولعلنا نستفيد من آخر الآية مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ؛ أن خضوع الإنسان إلى حاكم لا يرتضيه سواء كان الحاكم صالحا كسليمان، أو طالحا كفرعون، أو حتى قيام الإنسان بعمل لا يقتنع به، من أشد الأمور إيلاما وعذابا له، أو ربما كان هؤلاء الجن من العصاة فأراد سليمان عذابهم بالأعمال الشاقة.
قال الإمام الباقر عليه السلام
(إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عليهما السلام قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ وَهَبَ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي سَخَّرَ لِيَ الرِّيحَ وَالإِنْسَ وَالجِنَّ وَالطَّيْرَ وَالوُحُوشَ وَعَلَّمَنِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَآتَانِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمَعَ جَمِيعِ مَا أُوتِيتُ مِنَ المُلْكِ مَا تَمَّ لِي سُرُورُ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَدْخُلَ قَصْرِي فِي غَدٍ فَأَصْعَدَ أَعْلَاهُ وَأَنْظُرَ إِلَى مَمَالِكِي فَلَا تَأْذَنُوا لِأَحَدٍ عَلَيَّ لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيَّ مَا يُنَغِّصُ عَلَيَّ يَوْمِي. قَالُوا نَعَمْ.
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَخَذَ عَصَاهُ بِيَدِهِ وَصَعِدَ إِلَى أَعْلَى مَوْضِعٍ مِنْ قَصْرِهِ وَوَقَفَ مُتَّكِئاً عَلَى عَصَاهُ يَنْظُرُ إِلَى مَمَالِكِهِ مَسْرُوراً بِمَا أُوتِيَ فَرِحاً بِمَا أُعْطِيَ إِذْ نَظَرَ إِلَى شَابٍّ حَسَنِ الوَجْهِ وَاللِّبَاسِ قَدْ