من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٥ - وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ فهذا فريق أضله الشيطان، وهداه إلى سبيل البوار، وأهلكه أمام أعينكم، ثم لم يصبح عبرة لفريق آخر، وهكذا استمر الشيطان يضل منكم فئاما بعد فئام، دون أن يعقل اللاحقون، ويعتبروا بمصير الغابرين.
بينما كان مقتضى وجود العقل عند البشر هو أن يستفيد منه في تحديد طريق النجاة، وتجنب سبل الهلاك.
ومن أبرز ما يستفيد العاقل من مصير الغابرين كيفية إضلال الشيطان لهم، ذلك أن الشيطان ليس خلقا غريبا يقتحم عليك بيتك حتى تتحذر منه، كلا .. إنه في عروقك، في أعماق فؤادك، في أقرب الأصدقاء إليك، في زوجك وأخيك، في تربية أمك وأبيك، في كلمات معلمك، وحتى في توجيهات من نصب نفسه عالم دين. وأولئك الذين هلكوا جاءهم الشيطان من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم، وشبه لهم، وزين لهم، وبرر لهم بوسائل شتى. فإذا أردنا أن نمنعه. فلا بد أن نكون في أقصى الحذر والعقل.
[٦٣] إننا رأينا هلاك الغابرين ولا تزال آيات دمارهم مكتوبة على آثارهم، ومحفورة في أفئدة الأجيال، ولكن الأدهى من هلاكهم النار التي وردوها هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ.
[٦٤] إنهم سوف يدخلونها، ويصطلون بنارها بسبب كفرهم اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ.
[٦٥] إنهم كانوا يبررون كفرهم بأعذار واهية، ويجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ويزعمون أن جدالهم يغني عنهم شيئا، ولكن في ذلك اليوم الرهيب لا يسمح لهم بالكلام، وإنما تنطق عليهم جوارحهم بدل ألسنتهم. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فلا يعتذرون ولا يجادلون؛ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فالأيدي والأرجل تشهد بأعمالهم، فلا سبيل إذا إلى الإنكار أو الاعتذار أو حتى إلى الجدال.
ولعل الشهادة هنا تصويرية. أو لسنا قد اكتشفنا- بما أوتينا من علم قليل- كيف نستنطق أصابع اليد لنعرف المجرمين بطبع الإبهام؟ أو لم نبتدع جهاز كشف الكذب المعتمد على نبضات القلب؟ أولم نهتدي إلى مرتكبي الجرائم بآثارهم الخفية؟ ولا ريب أنه كما تنعكس الأعمال على الطبيعة، تنعكس آثارها على الجوارح ذاتها، بيد أنا لما نكتشف وسيلة لمعرفة أبعادها.
ولكن الرب- سبحانه- يظهر الخفايا في ذلك اليوم الرهيب، فيرى الإنسان شريطا