من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٣ - وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
ثم يأتيه الوحي عبر رسل الله ورسالاته لتتم الحجة عليه، فإذا بنداء الرحمن في قلبه يلتقي بندائه على لسان النبي وكتاب الله الذي أرسل به.
وهكذا يمتلك كل شخص مقياسين لمعرفة الشيطان. الأول: ما بقلبه من العقل، والثاني: ما أوحى به الرسل.
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يسعى الشيطان لخداع البشر بأنه صديقه، وأن ما يشير إليه من الضلالة محض نصيحة. وقد يسترسل البعض معه بحجة أنهم خدعوا به، ولكن ربنا يقول: إنه عدو واضح، ولا عذر لأحد في اتباع عدوه، إلا إذا خدع نفسه، وسر عداوته أنه يأمر بما يعلم الإنسان أنه مضر.
أو لا يأمر بالإسراف والتبذير، وبالفحشاء والمنكر، وبالاعتداء والظلم والبغي، مما يستقبحه البشر؟! لا أقل عندما يصدر من الآخرين، ومما يرفض أي عاقل نسبته إليه.
كلنا نعرف أن مآسي البشرية آتية من الظلم والعدوان والاستئثار والبخل والكسل والاختلاف، ونحن جميعا نعرف أن ذلك هو من وحي الشيطان، أفلا نتخذه عدوا؟!.
وعبادة الشيطان لا تعني السجود له، إنما طاعته بوعي، والتسليم التام لإغوائه. وتتجسد عبادة الشيطان في طاعة أوليائه من سلاطين الجور، وطغاة السلطة والثروة.
ويقول الفخر الرازي في قوله أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ معناه: (لا تطيعوه، بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب بل الانقياد لأمره والطاعة له، فالطاعة عبادة. لا يقال: فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] لأنا نقول: طاعتهم إذا كانت بأمر الله لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له). وأضاف: (وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه) [١].
[٦١] رفض عبادة الشيطان تهيؤ لعبادة الله، بل مجرد الكفر بالأنداد عبادة الله، كما إن من ضيع عبادة الرحمن وقع في شرك الشيطان، لذلك قارنت الآيات بين رفض هذه والالتزام بتلك، كقوله سبحانه فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة: ٢٥٦].
وهنا يقول ربنا وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ واستقامة الصراط نابعة من أن
[١] التفسير الكبير للفخر الرازي: ج ٢٦ ص ٩٦.