من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٣ - الإحسان تكامل وهداية
فهناك من ينفق في سبيل الله من أجل الهداية، وهو بالتالي يمهد أرضية الهدى لنفسه بإحسانه وإنفاقه، وهناك من ينفق في سبيل الضلال ويشتري لهو الحديث. كلاهما يعطي من نفسه وماله ولكن هذا للهدى وذاك للضلال وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
ولكن لماذا يكون الضلال هدف هؤلاء؟ حتى إنك تجدهم يشترون لَهْوَ الْحَدِيثِ؟.
لأنهم يرون الحق يناقض أنانياتهم، تماما بعكس المحسنين الذين يرون الحق محورهم، وقلب الإنسان لا يمكن أن يكون فارغا أبدا، فإذا لم يملأه بالإيمان والعلم، فسيكون بيتا للهو والانحرافات.
واللهو هو القول والعمل الذي يخلو من أي هدف، وهو في النهاية يعود إلى الإنسان بالخسران، فهو لا يشتري اللهو بدراهم معدودة، إنما يدفع من أجله عمره الغالي وما يملك من فرص، ومثال ذلك الذي يشتري كتب الضلالة والمجون، ومن الطبيعي أن يبتعد هذا الإنسان عن آيات الله ويرفضها.
وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً على عكس المحسنين الذين يهتدون بالآيات هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان: ٣]، وهذه من أخطر المراحل التي يصل إليها البشر في الضلال.
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ لاستهزائهم بآيات الله، واستكبارهم عليها.
والملاحظ أن السياق ربط بين الإحسان والهدى، ولكنه لم يسمه (شراء الهداية) بينما سمي الإنفاق في سبيل الضلال (بشراء لهو الحديث) وذلك لأن الهداية من الله، وهي أعز من أن تشترى.
كما إن هناك مفارقة بين الكتاب الحكيم وبين لهو الحديث، كما بين الهدى للمحسنين والضلال لمن يشتري لهو الحديث.
ومفردات لهو الحديث كثيرة تشير إلى بعضها الرواية المأثورة عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال
(هُوَ الطَعْنُ فِي الحَقِ والاسْتِهزاءِ بِهِ وَمَا كَانَ أَبُو جَهْلٍ وَأصْحابُهُ يَجِيئُونَ بِهِ إِذْ قَالَ يا مَعْشَرَ قُريشٍ أَلَا أُطعِمَكُمْ مِنْ الزَّقُومِ الَّذِي يُخوِفَكُم بِهِ صَاحِبَكُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلى زِبْدٍ وَتَمْرٍ وَقَالَ هَذَا هُوَ الزَّقُومُ الَّذِي يُخَوِّفَكُمْ بِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام
وَمِنْهُ الغِنَاء)
[١]. وقد استفاضت الأحاديث
[١] بحار الأنوار: ج ٩، ص ١٣٦.