من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٨ - وكان الله على كل شيء رقيبا
ولكي يقطع الله الطريق على القلوب المريضة، وبالتالي ينهي هذه المشكلة التي تؤذي الرسول، حرم الزواج من نسائه بعده وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً.
ومع ملاحظة ظروف نزول الآية نعرف أن هذا الحكم يختص بنساء النبي اللاتي تعرضن لأذى المنافقين، حيث طمع بعضهم في الزواج منهن بعد الرسول، وصرح بذلك بوقاحة، فحرم الله ذلك عليهم.
إن احترام بيت الرسالة كان يقتضي عدم ظهور نساء الرسول في المواقع العامة، وعدم تحدثهن مع الرجال إلا من وراء ستر، بينما يحل مثل ذلك لغيرهن إذا حافظن على حدود الستر والعفاف.
قال علي بن إبراهيم
(لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ
وَحَرَّمَ الله نِسَاءَ النَّبِيِّ عَلَى المُسْلِمِينَ غَضِبَ طَلْحَةُ فَقَالَ: يُحَرِّمُ مُحَمَّدٌ عَلَيْنَا نِسَاءَهُ وَيَتَزَوَّجُ هُوَ بِنِسَائِنَا لَئِنْ أَمَاتَ اللهُ مُحَمَّداً لَنَرْكُضَنَّ بَيْنَ خَلَاخِيلِ نِسَائِهِ كَمَا رَكَضَ بَيْنَ خَلَاخِيلِ نِسَائِنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ
وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ [١].
وربما كان هدف هؤلاء المنافقين هو إيذاء الرسول إلا إنهم يخفون هذه النوايا ببعض التبريرات كقولهم: لماذا يتزوج هو بنسائنا، ولا يصح لنا العكس، فهددهم الله من طرف خفي إذ قال
أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً وهناك حكمة أخرى لهذا التشريع الإلهي يذكره بعض المفسرين: إن مركز نساء النبي العظيم كان يستهوي الطامعين في السلطة أو الشهرة، وكان أمثال هؤلاء يمنون أنفسهم بنكاح أزواج النبي من بعده للحصول على مكانة اجتماعية تعقبها مناصب سياسية، ولعل بعضهم كان ينوي نشر أفكاره من خلال ذلك بادعاء أنه أضحى من أهل البيت وهم أدرى بما في البيت.
ولعل الآية تشير- من طرف خفي- إلى عدم جواز استغلال مكانة أزواج النبي للوصول إلى مراكز سياسية أو اجتماعية كما حصل فعلا- ومع الأسف- بين المسلمين من بعد رحيل الرسول صلى الله عليه واله.
[٥٤] ثم كشف هذا الواقع، وأكد للمنافقين أنه يعلم به إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً بالتصريح به أَوْ تُخْفُوهُ بمختلف المظاهر والتبريرات التي تخدعون بها الناس الذين لا يعلمون إلا
[١] بحار الأنوار: ج ١٧، ص ٢٧. تفسير القمي: ج ٢، ص ١٩٤.