من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٥
جاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام وقال منكرا للبعث: (أَنَّى لِلرُّوحِ بِالبَعْثِ وَالبَدَنُ قَدْ بَلِيَ وَالأَعْضَاءُ قَدْ تَفَرَّقَتْ فَعُضْوٌ فِي بَلْدَةٍ تَأْكُلُهَا سِبَاعُهَا وعُضْوٌ بِأُخْرَى تَمْزِقُهُ هَوَامُّهَا وعُضْوٌ قَدْ صَارَ تُرَاباً بُنِيَ بِهِ مَعَ الطِّينِ حَائِطٌ؟!. قَالَ عليه السلام
إِنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَصَوَّرَهُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَانَ سَبَقَ إِلَيْهِ قَادِرٌ أَنْ يُعِيدَهُ كَمَا بَدَأَهُ.
قَالَ: أَوْضِحْ لِي ذَلِكَ.
قَالَ عليه السلام
إِنَّ الرُّوحَ مُقِيمَةٌ فِي مَكَانِهَا رُوحُ المُحْسِنِينَ فِي ضِيَاءٍ وَفُسْحَةٍ وَرُوحُ المُسِيءِ فِي ضِيقٍ وَظُلْمَةٍ والبَدَنُ يَصِيرُ تُرَاباً مِنْهُ خُلِقَ وَمَا تَقْذِفُ بِهِ السِّبَاعُ وَالهَوَامُّ مِنْ أَجْوَافِهَا فَمَا أَكَلَتْهُ وَمَزَّقَتْهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي التُّرَابِ مَحْفُوظٌ عِنْدَ مَنْ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَيَعْلَمُ عَدَدَ الأَشْيَاءِ وَوَزْنَهَا وَإِنَّ تُرَابَ الرُّوحَانِيِّينَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي التُّرَابِ.
فَإِذَا كَانَ حِينُ البَعْثِ مَطَرَتِ الأَرْضُ فَتَرْبُو الأَرْضُ ثُمَّ تَمْخَضُ مَخْضَ السِّقَاءِ فَيَصِيرُ تُرَابُ البَشَرِ كَمَصِيرِ الذَّهَبِ مِنَ التُّرَابِ إِذَا غُسِلَ بِالمَاءِ وَالزُّبْدِ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مُخِضَ فَيَجْتَمِعُ تُرَابُ كُلِّ قَالَبٍ فَيَنْقُلُ بِإِذْنِ الله تَعَالَى إِلَى حَيْثُ الرُّوحُ فَتَعُودُ الصُّوَرُ بِإِذْنِ المُصَوِّرِ كَهَيْئَتِهَا وَتَلِجُ الرُّوحُ فِيهَا فَإِذَا قَدِ اسْتَوَى لَا يُنْكِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئا) [١]
. ولعل إشارة القرآن إلى بداية الخلقة توحي بنظرية تقول: إن الخلية الأولى التي تلاقحت في الرحم تبقى على حياتها ثم تنمو في رحم الأرض كما نمت أولًا في بطن الأم، ولكن الحديث المذكور آنفا صريح في أن ذرات البدن المتناثرة في الأرض تلتحق به أنى كانت عن طريق المخض، ولنا أن نشبه ذلك بقطعة مغناطيس إذا حركت في تراب مخلوط بذرات الحديد. كيف تجتمع عليها تلك الذرات؟!.
[٨٠] ثم يمضي السياق قبلا في أن البعث حق، ويضرب مثلا من الشجر الأخضر الذي جعل الله للناس منه نارا ووقودا، ويقول الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ.
ويقف الإنسان حائرا: لماذا ضرب الله مثلا بالشجر الأخضر، وما هي صلته بواقع النشور؟
قالوا: (إن المراد هو شجر (المرخ والعفار) الذي كان العرب قديما يأخذون منهما على خضرتهما، فيجعل العفار زندا أسفل ويجعل المرخ زندا أعلى، فيسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن الله. وفي الواقع فهو يمثل الكبريت في عصرنا الحالي. والله سبحانه وتعالى يريد القول بأن الذي يستطيع إشعال النار من هذا الشجر الأخضر له القدرة على إلباس الموتى لباس الحياة) [٢].
[١] بحار الأنوار: ج ٧، ص ٣٧.
[٢] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج ١٤ ص ٢٢٤.