من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
وينسف القرآن هذه الفكرة مرتين
الأولى: حينما يذكرنا بأن ثروة هؤلاء ليست من أنفسهم، بل هي من عند الله.
الثانية: عندما يبين لنا بأن مقياس رضى الرب عن الإنسان ليس ما يملك من الثروة، فرب غني بغيض عند ربه، ورب فقير مرضي عنده، إنما الثروة كما السلطة والقوة وسائر النعم الإلهية وسائل لابتلاء الإنسان واختباره في الدنيا.
ثم يوجهنا السياق لاتخاذ الثروة سبيلا لمرضاة الخالق باستخدامها الصحيح، وإنفاقها في سبيله، كما يؤكد ذلك بأن ما يعطيه الإنسان في سبيل الله يخلف له بزيادة الخير في الدنيا، وبالجنان في الآخرة، ثم بأن ما يملكه الناس إنما هو من الله وليس من عند أنفسهم.
ثم تعالج الآيات فكرة عبادة الأولياء- كالملائكة، والجن، والصالحين- من دون الله، وذلك عبر حوار بين الله وملائكته، إذ يسألهم: هل كان هؤلاء يعبدونكم؟ فتنفي الملائكة ذلك، وتستغفر الله خوفا ورهبة مما يدعيه الناس عنهم أما عن هدف هذه العبادة فهو التهرب من المسؤولية، والزعم بأن الملائكة سوف ينقذونهم من نار جهنم إن هم عبدوهم.
بينات من الآيات
[٣٤] يبدو أن أغلب المترفين- وهم الذين نعمهم الله فأسرفوا- معاندون، ويكفرون بالرسالات، بل ويحملون لواء الحرب ضدها.
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ولعل القرآن عبر في هذه الآية بكلمة قَرْيَةٍ عن المدينة، بل عن الحضارة بأجمعها، استصغارا لها، ولأن من لا يعبدون الله، ولا يتبعون رسالاته في حياتهم وحضارتهم أقلية وإن كثرت أعدادهم، ذلك أن القيمة الحقيقية للإنسان كما المجتمع بقربه من الحق أو بعده عنده، لا بما يملك من تقدم مادي بحت.
[٣٥] أما لماذا يكفر هذا الفريق فذلك- كما يصرحون أنفسهم- للأسباب التالية
الأول: كثرة الأموال والأولاد، ولعل التعبير كما الأموال لا يختص بظاهر الكلمتين إنما تشمل كلمة الأموال كل أنواع الثروة، كما تنطوي كلمة الأولاد أيضا على الأتباع والمطيعين.
وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلاداً إذ إن أول أهداف الرسل هو تغيير القوة السياسية الحاكمة على الناس، ولكن المترفين يعارضون ذلك مبررين رفضهم بأن السلطة لا تكون