من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٦ - إنما يخشى الله من عباده العلماء
وينقسم الذين أورثوا الكتاب إلى ثلاث فئات فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ تساوت حسناته وسيئاته، وفي حديث مأثور عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه واله في هذه الآية في مصير الظالم لنفسه قال
(أَمَّا السَّابِقُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَيُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ فِي المَقَامِ ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ فَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَن)
[١]
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وهو المتعبّد المجتهد الذي يصوم نهاره، ويقوم ليله- كما جاء في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام-.
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ وهو الإمام.
ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي: السبق بالخيرات هو الفضل الكبير.
وهذا التفسير للآية يتناسب والسياق ومن علائمه الواضحة الاصطفاء والتوريث، وتؤيده أحاديث كثيرة عن النبي وأصحابه، حتى قال الشوكاني بعد ذكرها: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، ويجب المصير إليها، ويدفع بها قول من حمل الظالم لنفسه على الكافر، ويؤيدها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أسامة بن زيد فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ... الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله
(كُلُّهُم فِي هذِهِ الأُمةِ، وَكُلُّهُم فِي الجَنَّة) [٢].
أما تفسير أهل البيت عليه السلام لهذه الآية فنلاحظه من خلال الروايات التالية
جاء في الأثر عن الإمام الصادق عليه السلام
(الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقَّ الإِمَامِ وَالمُقْتَصِدُ مِنَّا العَارِفُ بِحَقِّ الإِمَامِ وَالسَّابِقُ بِالخَيْرَاتِ هُوَ الإِمَامُ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَغْفُورٌ لَه) [٣].
ونعرف من ذلك أن الظالم هنا مغفور له لأن ظلم نفسه لا يبلغ درجة دعوة الناس إلى الضلال، بل فيه ما في الناس من زلات يطهرها بحسناته، وهو ظالم لنفسه إذا قيس بالمقتصد، والسابق بالخيرات هو من عرف واجبه باعتباره وارث علم الكتاب، وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال- بعد أن سئل عن الآية وعن معنى الظالم لنفسه فيها-
(مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
فَقُلْتُ: مَنِ المُقْتَصِدُ مِنْكُمْ؟. قَالَ عليه السلام
العَابِدُ لله فِي الحَالَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ.
فَقُلْتُ: فَمَنِ السَّابِقُ مِنْكُمْ بِالخَيْرَاتِ؟. قَالَ عليه السلام
مَنْ دَعَا وَالله إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ وَأَمَرَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ المُنْكَرِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُضِلِّينَ عَضُداً وَلَا لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَلَمْ
[١] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ٢١٣.
[٢] كنز العمال: ج ٢، ص ٤٨٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ٢١٣.