من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢ - فأقم وجهك للدين حنيفا
تكون المكتسبات الدنيوية هي مؤشر النجاح والقوة تنحرف المسيرة عن القيم، فكثيرا ما يكون اكتسابها بغير السبيل القويم.
وحين يعتمد البشر على غير الله يكله الله إلى نفسه فيخسر الدارين. أرأيت كيف أخذ يقلب كفيه على ما أنفق على حقوله الزراعية، ذلك المغرور الذي نصحه صاحبه أن يقول ما شاء الله، فرفض، أورأيت قارون حين أبى نصيحة قومه إذ قالوا له: لا تفرح، كيف خسف الله به وبداره الأرض؟!.
كذلك الذين يفرحون بما لديهم من أموال وأنصار فيفرقهم هذا الغرور عن بعضهم، ويبعدهم عن دينهم، ويلحقهم بالمشركين وهم يحسبون أن مكتسباتهم الدنيوية دليل صدقهم، بينما هم الأخسرون أعمالا.
[٣٣] متى يعرف البشر أنه على حق، أم على باطل؟ ومتى يتهاوى وهم القوة المكتسبة بالدنيا وبغير التوكل على الله؟.
إن ربنا يعطينا مقياسا وجدانيا ذاتيا، ففي حالات الضر والاضطرار هنالك ينسى كل الآلهة المزيفة التي كان يعبدها، ينسى هواه ويتجه بقلبه إلى ربه وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ولكن .. ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ.
وهذه مشكلة الإنسان أنه ينسى ساعات الحرج التي مر بها، ولا عذر للإنسان أن يقول: لم أعرف الله. بلى؛ قد عرفت حين الحاجة، فقد توجهت آنذاك إلى الله.
ونجد في الآية التعبير ب مَسَ و أَذَاقَهُمْ وهما يدلان على أدنى الإحساس، ويعكسان بالتالي طبيعة البشر الجزوع، وكيف أنه بمجرد أن يمسه ضر يلجأ إلى ربه، ثم بمجرد أن يذيقه طعم رحمته ينكفئ ويشرك به.
والمفهوم من الآية أن الناس جميعا يتوجهون إلى ربهم عندما يحسون خطرا، بينما بعضهم فقط يشركون بربهم عند النعمة.
وفي الآية هذه علاج حالة التحزب، حيث إن الذين فرقوا دينهم إنما فرحوا بما لديهم، واغتروا بما يملكون من ثروة أو سلطان ناسين نعم الله عليهم، وكيف أنه سبحانه ملجؤهم الأخير حين تتقطع بهم السبل، وتضيق عليهم مذاهب الدنيا، هنالك ينسون محاورهم الحزبية، وانتماءاتهم المختلفة، ويتجهون إلى ربهم العزيز المقتدر.
[٣٤] وهؤلاء الذين يشركون فور إحساسهم بالنعمة، ويفرحون بما لديهم من نعم