من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
الحديث عن سلمان المحمدي عن النبي صلى الله عله واله قال
(حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ) [١].
ويفسر النص التالي هذا الحديث بصورة رائعة، فقد روى محمد بن مسلم بن شهاب قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام أي الأعمال أفضل عند الله عز وجل؟ فقال
(مَا مِنْ عَمَلٍ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الله جَلَّ وعَزَّ ومَعْرِفَةِ رَسُولِهِ صلى الله عله واله أَفْضَلَ مِنْ بُغْضِ الدُّنْيَا وإِنَّ لِذَلِكَ لَشُعَباً كَثِيرَةً ولِلْمَعَاصِي شُعَباً فَأَوَّلُ مَا عُصِيَ اللهُ بِهِ الكِبْرُ وهِيَ مَعْصِيَةُ إِبْلِيسَ حِينَ أَبَى واسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ والحِرْصُ وهِيَ مَعْصِيَةُ آدَمَ وحَوَّاءَ حِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُمَا
فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ
فَأَخَذَا مَا لَا حَاجَةَ بِهِمَا إِلَيْهِ فَدَخَلَ ذَلِكَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِمَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَطْلُبُ ابْنُ آدَمَ مَا لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ ثُمَّ الحَسَدُ وهِيَ مَعْصِيَةُ ابْنِ آدَمَ حَيْثُ حَسَدَ أَخَاهُ فَقَتَلَهُ فَتَشَعَّبَ مِنْ ذَلِكَ حُبُّ النِّسَاءِ وحُبُّ الدُّنْيَا وحُبُّ الرِّئَاسَةِ وحُبُّ الرَّاحَةِ وحُبُّ الكَلَامِ وحُبُّ العُلُوِّ والثَّرْوَةِ فَصِرْنَ سَبْعَ خِصَالٍ فَاجْتَمَعْنَ كُلُّهُنَّ فِي حُبِّ الدُّنْيَا فَقَالَ الأَنْبِيَاءُ والعُلَمَاءُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ: حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ والدُّنْيَا، دُنْيَاءَانِ دُنْيَا بَلَاغٍ ودُنْيَا مَلْعُونَةٍ) [٢].
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إن بعض الناس يتحدى الغرور الذي ينتابه بسبب حب الدنيا لأنه غرور مباشر، أو لأنه لا يملك شيئا منها، ولكنه يغوى عبر المغرورين بالدنيا، مثل الملايين الذين تضلهم اليوم أجهزة إعلام المترفين، فهم يخسرون آخرتهم ليحصل غيرهم على الدنيا، فهم خسروا الدنيا والآخرة.
[٣٤] و لكي تترسخ دعائم الإيمان بالله واليوم الآخر في النفس، ويعلم البشر أنه لا يملك مستقبله بل ولا حاضره، فتطمئن نفسه إلى قضاء الله، ويصبر على بلائه، ويشكر نعماءه وفي ذات الوقت يزداد إحساسا بمسؤوليته عن مساعيه، من أجل ذلك وغيره ذكرت الآية الأخيرة من هذه السورة بإحاطة قدرة الله وعلمه بالإنسان، فهو الذي يملك علم الساعة- وهي أخطر- حين يمر بها أبناء آدم، ثقلت في السماوات والأرض.
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ متى ترسو سفينة الخليقة على الشاطئ الأخير. لا أحد يعلم ذلك، بل لم يحدد ربنا لذلك وقتا- حسب بعض النصوص- إنما يقررها الرب متى شاء، وقد قال عز من قائل يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا [النازعات: ٤٢- ٤٤].
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٢، ص ٤٠.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ١٣٠.