من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٨ - ذلك تقدير العزيز العليم
وهكذا افتتحت الآية بتسبيح الله، لأنها تذكرنا بعجز المخلوقات، بينما الآيات السابقة كانت تذكرنا بآيات القوة فيها.
وسبحان- كما قالوا- علم دال على التسبيح، وتقديره سبح تسبيح الذي خلق الأزواج.
مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ فقد خلق النباتات أزواجا، منها ما كانت معروفة لدى نزول القرآن، ومنها ما كشفه تقدم العلم اليوم من أن في كل النباتات ذكرا وأنثى، وأنه قد يتم تلاقحهما بفعل البشر- كما يتم تلقيح النخيل مثلا- وقد تلقحهما الرياح أو النحل أو ما أشبه.
وَمِنْ أَنفُسِهِمْ حيث الحاجة إلى الزوج عميقة الجذور في النفس وفي الجسم، وهي تعكس ضعف البشر حيث لا يكتمل الواحد إلا بكفئه، حتى ولو طغى في الأرض فإنه يعيش محتاجا إلى زوجه، وقد تجمح به الرغبة حتى تفقد صوابه.
وكم يروي التأريخ لنا قصصا عن الجبابرة الذين كانوا يركعون أمام نسائهم. أوليس ذلك دليل ضعفهم، و أنهم ليسوا آلهة كما يزعمون؟! وهذا فرعون يربي عدوه في بيته- بالرغم من تخوفه منه- لأن زوجته طلبت منه ذلك فانقاد لها، وثبت للعالم أن من يزعم أنه الرب الأعلى تحكمه زوجته.
وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ فحتى الموجودات الأخرى يكمل بعضها بعضا، ابتداءً من الذرة المتناهية في الصغر- التي تتركب من بروتون وإلكترون- وحتى المجرات المتناهية في الاتساع.
ولا يزال علم البشر دون مستوى معرفة كل خصائص الزوجية. وكلما تعمقنا في معرفة حاجة الأزواج إلى بعضهم كلما عرفنا دقة التدبير، وسلامة النظم، وقوة الهيمنة على الخليقة، وبالتالي كانت لدينا فرصة معرفة ربنا أكثر فأكثر.
[٣٧] دعونا ننظر إلى هذا الأفق العريض الذي يتسع أمامنا بلا حدود نعرفها، لا لكي نخشى من آياته، ولا لكي نتمتع بجمال ما فيه، ولكن لنزداد وعيا به ومن خلاله بأنفسنا، فهذا الليل يلبسه ربنا الحكيم ثياب النهار بما يسبغ عليه من ضوء الشمس ودفئها وحركتها، ثم يسلخه منه فيعود كما كان، مظلما هادئا إلا من رواسب النهار. إن في ذلك لآية، دعونا نبصرها.
وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ تعالوا ننظر هذه المرة إلى الليل حين الغروب، لنبصر يد القدرة الإلهية كيف تفعل ذلك بلطف وبإتقان وبنظام دقيق.
[٣٨] وآية النهار هي هذه الكرة النارية الملتهبة التي نسميها بالشمس، والتي هي أكبر