من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٣
الموهوبة محدودة بعالم الدنيا، وهي وبال في العالم الثاني. إن الغباء يبلغ مداه حين يتخذ الإنسان نظيره الإنسان إلها من دون رب العزة لينصره أمام سنن الله وقدره وقضائه ولكن هذا الغباء هو بالضبط ما يركبه الإنسان إلا من عصمه الله، فأغلب الناس يشركون بربهم، ويعبدون بنسبة معينة آلهة القوة والثروة والجاه، فيفقدون بذات النسبة قوتهم التي وهبها الله لهم لمصلحة تلك الآلهة، وهم يزعمون أنهم يكتسبون منها قوة ومنعة وعزا.
كما إنهم بشركهم يفقدون نصر الله لهم، ولو أنهم توكلوا على الله، وتوجهوا تلقاء نعمه التي أسبغها عليهم ظاهرة وباطنة، وفجروا طاقاتهم التي لا تحد، واستخرجوا من أنفسهم كنوزها التي لا تنفد، إذا حققوا المزيد من تطلعاتهم بتأييد ربهم وتسديده.
ولعمري هذا سر العظمة ومفتاح الفلاح لو كانوا يعقلون.
[٧٦] وحين يتخلص الإنسان من حجاب الشرك يتهيأ نفسيا ومن ثم عقليا لتقبل المسؤولية، لأن أعظم دافع للبشر نحو الشرك الهروب منها، والتخلص من جزاء أعماله حسب زعمه، وهكذا يذكرنا السياق بيوم الجزاء الأوفى بعد أن يرفع شبهة المجادلين فيه، القائلة: كيف يحيي الله الموتى؟ إن هذه الشبهة آتية من نسيان الخلق، وعظمته التي تدل على عظمة الخالق، أما إذا تذكرناه فإن الشبهة تتلاشى.
ويبدأ الحديث ببيان أن كلامهم الجدلي يجب أن لا يحزن أًصحاب الرسالة، لأنه محفوظ عند الله، يعلم الله خباياه كما يعلم ظاهره، فلا ينبغي أن يقر به ويؤخذ مأخذ الجد فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، ويبدو أن الحزن بالكلام قد يجر إلى التنازل لهم تحت ضغطه فلذلك نهي عنه.
إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ من نيات مغايرة للكلام حيث إنهم يعلمون أنهم كاذبون وإنما يتكلمون جدلا، وَمَا يُعْلِنُونَ فيسجل عليهم للجزاء.
[٧٧] ثم يعرف ربنا أكبر شبهاتهم التي تشكك بقدرته- تعالى- ويقول أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ قالوا: إن الرؤية هنا تعني العلم، أي أولم يعرف الإنسان، ونقول: نعم. ولكن مثل هذا العلم لا يحتاج إلى أكثر من نظر، ونحن لم نشهد خلق أنفسنا، ولكنا شهدنا كيف خلق نظراؤنا من الناس حتى لكأننا شهدنا خلق أنفسنا.
أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ هذا الماء المهين هذا ما نراه، أما ما نعلم فإن الخلق تم بجزء بسيط جدا من هذه القطرة الدافقة من الماء. إنها الخلية المتناهية في الصغر من ماء الرجل وماء المرأة.